تركيا: بانتظار الانقلاب التالي/محمد قواص

المحاولة الانقلابية أسقطت محرم الانقلابات العسكرية الذي بدا أنه أصبح ينتمي إلى زمان غابر. كرست اللحظات الأولى لتلك المحاولة تعامل العالم الأجمع مع الأمر بصفته احتمالا من الممكن تفهمه ولا يخضع لرفض وإدانة آليتين.

2617

لو قيض للانقلاب أن ينجح في تركيا لدخلت البلاد في حرب أهلية يتمدد من خلالها البركان العربي إلى داخل البلاد، ولتمّ شلّ القدرات التركية الإقليمية وتمّت إعادة ترتيب كل المنطقة وفق هذا المعطى. لكن الأمر لم ينجح وللفشل أسباب أقلها الجانب المغامر غير الحرفي المرتبك والملتبس والذي يشوبه الكثير من الغموض.

تثير محاولة الانقلاب التي جرت في تركيا أسئلة كثيرة قد لا تجد لها جواباً شافيا في الوقت القريب. ولأن الغموض يكتنف السبل التي اعتمدت من قبل الانقلابيين كما توقيت العملية وشخوصها، فإن سيلا من السيناريوهات المفترضة ستصدر، من بينها نظريات المؤامرة التي تتهم النظام نفسه بالوقوف وراء الأمر.

تعرّضت تركيا خلال ساعات عدة إلى انقلاب حقيقي شلّ المؤسسات وأربك تلك الدستورية منها وعزل قادة البلد السياسيين عن العالم، حتى أن من حطّت طائراتهم المدنية في مطارات اسطنبول اكتشفوا أبنية وقاعات خالية من أي وجود أمني أو إداري ينمّ عن حجم الهلع والفوضى والسقوط الذي خيّم على البلاد في تلك الليلة.

لا تشبه الحركة الأخيرة الانقلابات العسكرية الأربعة (1960 و1971 و1980 و1997) التي شهدها تاريخ تركيا الحديث. كانت التقاليد الانقلابية التركية تختصر في أن عسكر البلاد (كل العسكر) يزيحون المدنيين عن حكم البلاد. هذه المرة بدأ الانقلابيون انقلابهم بالانقلاب على الجيش التركي وقادته، قبل أن يهاجموا مؤسسات السلطة المدنية وقادتها.

وربما، وبغضّ النظر عن تلبية الناس نداء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالنزول إلى الشارع، فإن الحركة الانقلابية أجهضت بسبب عدم تغطية قيادة الجيش التركي، وبسبب تحرّك الجيش نفسه لإحباطها. ولأن العسكر، بالمعنى المؤسساتي والقيادي، كانوا بعيدين عن ذلك الحراك، فهذا يعني أن لا تغطية دولية توفّرت له، وأن اتهام واشنطن بالوقوف وراءه على حدّ تعبير أحد الوزراء الأتراك، لا يعدو كونه اتهاماً شعبويا قد يمكن استثماره في التجييش المحلي، كما يمكن استثماره في الضغط على الولايات المتحدة لتسليم خصم أردوغان اللدود فتح الله غولن.

لكن الارتباك الدولي في التعامل مع الأخبار الأولى لـ“الانقلاب”، يعكس الأورام التي أصابت علاقات تركيا الخارجية، وتوجّس العالم من السياسات التي يعتمدها أردوغان وصحبه في قيادة تركيا، على النحو الذي لا يزعج العالم إحداث تغيير ما، حتى عن طريق العسكر والانقلاب. وهو أمر يطرح علامات استفهام حول الخيارات غير الحكيمة التي اتخذتها أنقرة في ملفات عديدة، من حيث الطابع المغامر لها، والذي لا يليق بحكمة الدول ومصالح الأمم.

وإذا ما أصبح الكلام عن التخلي عن الـ“صفر مشاكل” العزيز على قلب أحمد داود أوغلو رتيباً، فإن اندفاع خليفته على رأس الحكومة التركية بن علي يلدريم في التبشير بوصل سريع مع أمم الدنيا، بما في ذلك سوريا والعراق ومصر، يعكس الخفة التي تمارسها أنقرة في مقاربة علاقاتها مع دول العالم، وصبيانية الانتقال برشاقة من أقصى الأمور إلى نقيضها.

يروي عبدالسلام جلّود، أحد القياديين الليبيين الكبار الذي كان مقرباً من معمر القذافي، أن الأخير تبدلت طباعه وانقلب إلى دكتاتور مستبد إثر أول محاولة انقلاب جرت ضده. بمعنى آخر فإن فشل الانقلاب التركي الأخير قد يؤسس لنظام استبداد متذرع بالخطر الذي كاد يطيح بالديمقراطية التركية. لكن المحاولة الفاشلة قد تؤسس أيضاً لعقلية جديدة لدى أردوغان وصحبه تأخذ بعين الاعتبار حاجة تلك الديمقراطية لتوسيع قاعدتها، بالانفتاح أكثر على بقية التشكلات السياسية في البلاد والتي كانت مُجمعة دون تردد على إدانة الانقلاب ورفض العودة إلى سلطة العسكر.

في المكتبة الماركسية الماوية كلام فلسفي كثير عن التناقض الأساسي والتناقض الثانوي. في ذلك “الفقه” دعوة إلى تحديد الأولويات التي يجب مواجهتها، وتلك التي يجوز تأجيلها. لا يعرف أردوغان الإسلامي الهوى تلك الأطروحات، ذلك أنه امتهن بكفاءة عالية فن تجميع الأعداء.

يمنّي الرجل النفس بعثمانية جديدة ترسمه سلطانا لها منذ أن عوّل على جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي في بسط نفوذ “السلطنة” بالطبعة الأردوغانية. اقتحم الزعيم التركي باحات النظام السياسي العربي مستشرفا قلب مزاجه ليكون يوما ما تابعا لـ“بابه العالي”. وحين أجهضت المنطقة ذلك المنحى منذ الإطاحة برئاسة محمد مرسي في مصر، عاند أردوغان الحقائق الجديدة التي انسحبت على تونس واليمن وليبيا، وفخخ نفسه بشراك لم يتخلّص منها بالمرونة التي يجب أن يتحلى بها زعيم دولة كتركيا.

دخل أردوغان في سجال عنيف ضد نوري المالكي رئيس وزراء العراق السابق. تبادل الرجلان ما تيسّر من الاتهامات والشتائم حول مذهبية المالكي الشيعية ومذهبية أردوغان السنّية، بما استدعى من التاريخ تلك الخصومة القديمة بين الصفوية والعثمانية. لكن تلك العداوة بين أنقرة وبغداد استمرت في ظل قيادة حيدر العبادي عبّر عنها الغضب العراقي من دخول وحدات تركية إلى داخل الأراضي العراقية على تخوم الموصل.

على أن المقاربة التركية للمأزق السوري مثّلت أقصى درجات التخبط من حيث تقصّد حاكم أنقرة رفع سقف طموحاته في سوريا دون أن تتوفر له وسائل تحقيق ذلك. فشل أردوغان في إقناع الإدارة الأميركية في إقامة منطقة حظر للطيران شمال سوريا، وفشل في الاستحصال على دعم أطلسي يغطي تدخلا عسكريا تركيا في تلك المنطقة. وتعاملت دول الخليج بحذر مع الاستراتيجيات التركية في سوريا، حتى وإن ظهر تقارب ما بين أنقرة والرياض. وحين أطلقت السعودية “عاصفة الحزم” في اليمن أولاً، ثم دعت إلى تحالف إسلامي ضد الإرهاب، جاء رد الفعل التركي خجولاً موارباً يتسرب منه حذر أشبه إلى الريبة.

تمّت لرجب طيب أردوغان مخاصمة الولايات المتحدة التي يتهمها مقربون له بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، ومخاصمة روسيا التي أسقط الجيش التركي مقاتلة لها. لم يفرق رجل تركيا القوي بين مناكفة بشار الأسد ومناكفة عبدالفتاح السيسي ومناكفة بنيامين نتنياهو ومناكفة فلاديمير بوتين. لعب الرجل بكل ثروته على طاولة المنطقة مراهناً على “الجائزة الكبرى”، دون أن يخطر بباله لحظة أن النيران ستطرق باب حكمه في تركيا، ولا عجب أن سكت العالم في اللحظات الأولى، فيما استعجل البعض التهليل لنهاية الرجل. ولا عجب إذا ما ظهرت معلومات تفيد بأن تشجيعاً إقليميا ودوليا قد حظي به الانقلابيون.

لا ينحصر جبل العداوات داخل الدوائر الخارجية، بل إن الداخل التركي أظهر عداوة منذ أحداث ساحة تقسيم، والحملة ضد الصحافيين، وتصاعد لهجة المعارضة العلمانية، والحملة ضد حزب الشعوب الديمقراطي، وعودة الحرب ضد حزب العمال الكردستاني، طبعا بالإضافة إلى الخصومة مع “التنظيم الموازي” المتهم باختراق أجهزة الدولة ومؤسساتها بقيادة فتح الله غولن.

لكن الخصومة الداخلية الكبرى هي مع الجيش التركي. لا ينسى عسكر تركيا الحملة التي شنّها أردوغان ضد شريحة واسعة من الضباط بحجج مختلفة، قبل أن يعيد الاعتبار للبعض منهم. بمعنى آخر تعتبر المؤسسة العسكرية نفسها كياناً مكروهاً من حكام البلاد، ولم تستطع أن تنزع من ذاكرتها أنها كانت تصنع حكام البلاد. صحيح أن الانقلاب نفّذته “شرذمة” من الجيش على حدّ تعبير أردوغان، لكن المتأمل في الرتب العليا التي تمّ اعتقالها واتهامها بالتورط بشكل مباشر وغير مباشر والإنجازات التي حققها الانقلابيون في الساعات الأولى لحراكهم يدرك حجم ارتخاء مناعة المؤسسة العسكرية أمام إغراءات التخلّص من حكم حزب العدالة والتنمية. وإذا ما وصف أردوغان الانقلابيين بالخونة، فهم بالنسبة للجيش التركي كانوا قبل هنيهات من الانقلاب رفاق سلاح وزملاء سلك وأبناء مؤسسة واحدة، وربما مازالوا في وجدان الجيش كذلك. ولا ريب في أن استهداف العسكريين الانقلابيين من قبل العامة كما من قبل أجهزة الأمن طال كرامة المؤسسة العسكرية برمتها وقد يترك ندوباً ملتهبة خبيثة.

أسقطت المحاولة الانقلابية محرّم الانقلابات العسكرية الذي بدا أنه أصبح ينتمي إلى زمان غابر. كرّست اللحظات الأولى لتلك المحاولة تعامل العالم الأجمع مع الأمر بصفته احتمالاً من الممكن تفهمه ولا يخضع لرفض وإدانة آليتين. يدرك أردوغان ذلك ويدرك أن سابقة الانقلاب الأخير قد لا تكون الأخيرة ضد حكمه، وأنه وحزبه وأجهزته سيراقبون ويترقبون ما يحمله انقلاب مقبل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.