إقرار رفسنجاني – وشهد شاهد من أهلها /حسن العطار

في حديثه مع “آفتاب نيوز” يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، أقر رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام “السيد / علي هاشمي رفسنجاني” ان بلاده متورطة في أزمات المنطقة بدءا من العراق وسوريا ولبنان واليمن وانتهاء بأفغانستان، مشددا ومبررا على ان هذا التدخل الايراني في شؤون المنطقة هدفه الدفاع عن المصالح القومية لبلاده. كما أقر بصعوبة الوضع الذي تواجهه بلاده نتيجة هذا التدخل، قائلا: “إن استمرار التدخل الايراني في هذه المناطق صعب، لكن لا يمكن ايضا ان نترك هذه المناطق بسهولة”.

4159

كما اعترف “رفسنجاني” ان بلاده تواجه تحديات داخلية كبيرة بسبب الخلافات السياسية والبطالة وارتفاع الأسعار، وان هناك خلافات عميقة في رأس السلطة الايرانية، متهما بعض المسؤولين بخداع الرأي العام الايراني.

أما الأمين العام في المجلس الأعلى للأمن القومي الايراني “السيد / علي شمخاني” قد ربط تدخل بلاده في سوريا والعراق “بقوة ايران الاقليمية”، قائلا: “لو لم تكن ايران قوية فإن الدول الصغيرة سوف تستعرض قوتها ضدنا، وان تعزيز تلك القدرات سيمكن ايران من منع مناورة الأعداء”. اعتقد شخصيا انه يعني بالدول الصغيرة “دول الخليج”.

اذا قرأنا هذين الاقرارين بروية، وحللناهما من الناحية السياسية سوف نكتشف الحقيقة التي كانت غائبة عن عقول الكثيرين من الشعوب العربية. منذ قيام الثورة الاسلامية في ايران عام 1979م وكبار القادة في ايران يبررون تدخلاتهم هذه بحجة الدفاع عن القدس والمستضعفين في هذه الدول، وها هو “رفسنجاني” يقول الحقيقة بلا رتوش، ان كل هذه التدخلات طوال هذه السنوات هي للدفاع عن المصالح القومية لإيران، وليست للدفاع عن القدس وحقوق المستضعفين. أما “شمخاني” فيعلل هذا التدخل بمنع الدول الصغيرة من استعراض قوتها ضد بلاده.

انا لا الوم الساسة الايرانيين على ما يفعلونه من اجل حماية بلادهم فهذا من حقهم كما تفعل كل الدول المهتمة بشعوبها، ولكن كمواطن عربي أرى من واجبي الوطني والقومي ان أبين الحقيقة. الساسة في ايران يمارسون البراغماتية السياسية، وان “الغاية تبرر الوسيلة” كما جاء في كتاب “الأمير” لميكيافيللي. لا زلت اذكر مقولة احد المفكرين الغربيين عن الساسة الايرانيين، حيث قال: “كتاب – الأمير – تحت وسادة كل واحد منهم”. إليكم الآن بعض الحقائق على هذه البراغماتيىة السياسية:

• رغم ان العلاقات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة مقطوعة رسميا منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، إلا ان الاتصالات بين البلدين- سواء بطريقة مباشرة او غير مباشرة عن طريق طرف ثالث – لم تنقطع على الاطلاق، وهذا ما اقر به المسؤولون الأمريكيون في اكثر من مناسبة، ولم تنفه ايران.

• في شهر اغسطس من عام 1985م إبان الحرب مع العراق، اشترت ايران من الولايات المتحدة صواريخ “تاو” المضادة للدروع، وصواريخ “هوك ارض – جو” المضادة للطائرات مقابل إخلاء سبيل خمسة من الأمريكان المحتجزين في لبنان. الصواريخ تم شحنها من اسرائيل والبرتغال الى ايران، وثمن الصفقة استعملته إدراة “ريغان” لتمويل حركات “الكونترا” المناوئة للنظام الشيوعي في نيكاراغوا. اطلق على هذه الصفقة “قضية ايران – كونترا – Iran-Contra affair”. الشخص الايراني الذي سرب خبر الصفقة الى احدى الجرائد اللبنانية تم اعدامه.

• الموقف الرسمي الايراني من القضية الفلسطينية كما صرح به “رفسنجاني” خلال فترة رئاسته هو: “ما يقبل به الفلسطينيون نقبل به”. موقف عقلاني فمن غير المعقول ان يكون الايرانيون فلسطينيون اكثر من الفلسطينين انفسهم. كل تصريحاتهم عن القضية الفلسطينية هي للإستهلاك المحلي ودغدغة مشاعر العرب والمسلمين لا اكثر. نعم هم يساعدون حماس وبعض المنظمات الفلسطينية بالمال والسلاح لكسب ولائهم، ولكنهم لم ولن يحاربوا نيابة عنهم. الدليل على ذلك ان كل الحروب الهمجية التي شنتها اسرائيل ضد غزة، كان موقف الايرانيون هو الشجب والاستنكار كغيرهم من الدول العربية والاسلامية.

• المعلوم انه بعد الغزو الامريكي لأفغانستان واسقاط نظام طالبان، فر العديد من قادة القاعدة وطالبان الى ايران التي رحبت بهم وابقتهم تحت مراقبتها لفترة طويلة، وعملت على تقوية علاقتها بكبار قادتها ورفضت تسليمهم للأمريكيين، ليس حبا فيهم ولكن عملا بالقول المأثور “عدو عدوي صديقي”، اي للاستفادة منهم واستعمالهم كورقة ضغط لاحقا في مفاوضاتها مع القوى الغربية بشأن ملفها النووي وحجم نفوذها في المنطقة. اغلب هؤلاء القادة غادروا ايران منذ فترة طويلة الى البلدان العربية التي تشهد حاليا حروبا اهلية، وهم من يقودون الحركات الارهابية في هذه الدول، حتى تركيا لم تسلم من شرهم. ايران هي الدولة الوحيدة في هذه المنطقة المضطربة التي لم يصبها ارهابهم. (طبعا نحن لا نتمنى لها الشر ونطلب من الله ان يحميها)، ولكن الا يثير هذا التساؤل: لماذا ايران وحدها آمنة في المنطقة؟

ايران – بكل اسف تعتبر – كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن بمثابة حدائق خلفية لها، اي بمثابة جدران تحميها، رغم ان ليس لها حدود جغرافية مباشرة سوى مع العراق. تدخل ايران في شؤون هذه الدول العربية مباشرة، وفي غيرها من الدول العربية بطريقة غير مباشرة يضر بالأمن القومي العربي. كما ان هذا التدخل ولو بالتصريحات الكلامية الاستفزازية يضر بمواقف القوى الوطنية المطالبة بالاصلاح والمشاركة في شؤون بلدانها، حيث يستغلها بعض الأنظمة العربية للتهرب من الاصلاح والمشاركة بحجة ان هذى القوى الوطنية مرتبطة بأجندات خارجية.

قد لا يعجب هذا الكلام الكثيرين من العرب المأدلجين طائفيا او الحاقدين على انظمة حكمهم المتسلطة، ولكن هذه هي الحقيقة المرة التي أقر بها اخيرا شخصا من قمة النظام الايراني لا يشك في ولاءه لبلده. اتمنى ان تسود علاقة حسن الجوار بين العرب وجارتهم ايران، وان تترك شعوب المنطقة تتعامل مع انظمة حكمها كل بطريقته السلمية والحضارية التي يراها مناسبة.

نقلا عن :ایلاف

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.