في شارع بورقيبة .. العصافير تكره الثورات /حسّونة المصباحي

صباح الخير من تونس

3815

منذ سنوات لم يعد يستهويني التجول في العاصمة. فالفوضى، والأوساخ، والرعونة، والهمجية، والبذاءة، والوجوه العابسة، وصراخ “الثورجيين”، وشعاراتهم الجوفاء، وكل هذا يجعلني أنفر من السير في شوارعها، والجلوس في مقاهيها، وآرتياد مطاعمها. حتى “باب البحر”، أو شارع بورقيبة، فقد رونقه وبهجته بسبب كثرة الأسلاك الشائكة التي تحيط بوزارة الداخلية، وبالكتدرائية، وبالسفارة الفرنسية. وقد حدثني أصدقائي الذين يقيمون في العاصمة بأن هذا الشارع الذي كان يسهر حتى ساعة متأخرة من الليل، بات يقفر من المارة قبل التاسعة ليلا! والعصافير التي كانت على أشجاره تستقبل الغروب بأهازيجها الجميلة آختفت ولا أحد يدري سبب آختفائها الفجائي غير سائق تاكسي ستيني قال لي ذات مرة بإن العصافير تكره الثورات.

قبل ايام تركت مقهى في ” ساحة باستور” المواجهة لحديقة”بلفدير”،وعلى عجل قطعت راجلا “حي لافييت” الذي فقد بهجته هو أيضا ،وشارع بورقيبة لأجد نفسي في شارع جمال عبد الناصر.عندئذ قررت أن أزور صديقا لي يعمل في مكتبة ورثها عن والده الذي كان قد شارك في الإنقلاب الفاشل الذي دبره في صيفي عام 1962 جمع من المناصرين للمناضل الوطني صالح بن يوسف بهدف آغتيال الرئيس الحبيب بورقيبة.

وقد تعرفت على صديقي هذا في السبعينات من القرن الماضي في بنزرت.ومن أول لقاء،تصادقنا وتحاببنا لأن أحلامنا كانت متشابهة،ولأن كل واحد منا كان يعشق رامبو،ولوترايامون ،وبودلير.ثم فرقتنا الأيام فلم التق به من جديد الاّ في أواخر عام 2004،أي بعد عودتي من هجرتي الالمانية .ومنذ ذلك الوقت،يسعى كل واحد منا لكي يلتقي بالأخر في مقهى أو في مطعم لكي نستعيد ذكريات الماضي ،ونتبادل الأفكار والآراء بعد أن آنهارت كل احلامنا وأمانينا فما عدنا نتظر شيئا من عمر يمضي الى نهايته بسرعة جنونية.ولما أعلمني عجوز وجدته في المكتبة أن صديقي مريض ، وهو رهين الفراش منذ أيام عديدة ،واصلت سيري بآتجاه “باب عليوة” حيث محطة سيارات الأجرة الجماعية التي تعودت ركوبها عائدا الى الحمامات.وكان عليّ أن أمر بحيّ “باب الجديد”،وهو من أحياء العاصمة العريقة.وفي سنوات الجامعة،كنت اعشق هذا الحي الذي كانت فيه حانات ومطاعم شعبية رخيصة.وكثيرا ما كنت أمضي ساعات طويلة في هذا المقهى او ذاك ،أقرأ الروايات والدواوين الشعرية.،وأكتب رسائل وأشعارا بالفرنسية لفتاة من منطقة قفصة كنت مجنونا بحبها.

وكان الحي يطيل السهر.وفي مقاهيه يمكن للزبائن أن ينعموا بالإستماع الى اغاني أم كلثوم القديمة،والى أغاني فريد الأطرش ،واسمهان ووغيرهم من مشاهير المطربين والمطربات.وحتى الفجر،يستقبل معطعم “ولد حنيفة” أحباء الأطباق الشعبية خصوصا “اللبلابي” و”الهرقمة”. لكن آنطلاقا من السبعينات من القرن الماضي، بدأ هذا الحي يفقد سكانه الأصليين الذي آنتقلوا للإقامة في الأحياء الجديدة في ضواحي العاصمة الشمالية، ليتسبقل النازحين، وأصحاب الدخل المتوسط. وقد ازداد الحي وحشة بعد أن تم إغلاق كل حاناته، وتحولت ساحاته الجميلة الى فضاءات لبيع السلع الرخيصة والمهربة، والتي يكثر فيها النشالون، وأصحاب القبضات القوية الذين يتلذذون بإمضاء اوقاتهم في العراك والمشاجرات واطلاق الكلمات البذيئة.وخلال السنوات الماضية،عمت الفوضى الحي فما عاد المارة قادرين على السير على الأرصفة التي تحولت هي أيضا الى فضاءات للبيع والشراء .كما أن عصابات التهريب ترتع فيه كما تشاء وتريد غير عابئة لا بالقانون ولا برجال الشرطة الذي فشلوا فشلا ذريعا في مقاومة مظاهرالفوضى والعنف والهمجية.

بصعوبة واصلت سيري وسط جموع غفيرة،بينماصراخ الباعة يتعالى من كل النواحي.وكانت الوجوه عابسة، والحركات متشنجة،وكل واحد ينظر الى الاخر بريبة وحذر. وكان الهواء مشحونا بعنف لا مرئي.وفي كل خطوة أخطوها تصدمني روائح الفضلات المتراكمة هنا وهناك. وأكثر من مرة، عاينت في عيون البعض نفورا من وجودي بينهم ربما بسبب قبعتي الإفرنجية السوداء، وربطة العنق الزرقاء.

حالما تحركت سيارة الأجرة الجماعية بآتجاه الحمامات ،فتح السائق المحروق الجسد آلة التسجيل لينطلق منها عاليا صوت أحد أشهر المغنين الشعبيين مصحوبا بالدف والمزمار.بكل لطف طلبت منه أن يخفض الصوت، فاستدار ليقول لي بحدة:أنا لا أستطيع أن أسوق من دون موسيقى!

صمتّ.وواصلت سيارة الأجرة التي لها لون العلم التونسي رحلتها بآتجاه الحمامات في لهب صيف مبكر بينما المغني الشعبي يردد :

حبيتها والحب فيها خسارة

يا ناس ريدي (أي معشوقتي) ناكرة وغدارة…

دجدقق دجدقق دجدقق دجدقق دجدقق

دق دق دجدقق دجدقق

يا بابه يا بابه يا بابه يا بابه

دجدقق دجدقق دجدقق دجدقق …..

نقلا عن ایلاف

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.