إفلاس السینما الحکومیة في إیران

الفن الرَّسمي في الآیدیولوجیة التي تَتبَنّاها الجمهوریة الإسلامیة، أو ما یسمّی بـ«الدعایة الإسلامیة في غطاءٍ فَنّي»، یعني تمرکز المصادر المالیة في القطاع الحکومي، ومَنح المیزات والأتاوات، وفي الوقت نفسه، التَّبختُر أمام العالم وطَلَب الإشادة بهذه الدعایات!!
الجدیر بالذکر أن الإسلامیین العاملین في مجال الدعایة، في الوقت الذي کانوا یتصرَّفون أثناءه في السوق برؤوس الأموال وبالإمکانیات المُتاحة لهم (دون أي رقیب)، کانوا یطالبون العالم أجمع بأن یکیل المدیح لهم، وسبب ذلک هو أنهم أنتجوا فیلماً سینمائیاً بلغت نفقاته الرسمیة 40 ملیون دولار (أي ما یعادل 1300 ملیار ریال إیراني حسب سعر صَرف الدولار في وقت إنتاج الفیلم).
وبالفعل بدأت کافة وسائل الإعلام الرسمیة تبثّ الدعایات لهذا الفیلم، في حین لم تتجاوز عائدات الفیلم المذکور، عُشر (0,10) الموازنة المُعلَنة. ومع ذلک فإن العاملین في إنتاج هذا الفیلم یتساءلون من العالم أجمع: لماذا لم یشارِکوا في وَضع المزید من الأموال تحت تَصرُّف الفیلم حین تمّ عرضه؟ علماً بأن سبب عدم جاذبیة الفیلم وعدم الترحیب به، قد تمّ تبریره بأنه کان بسبب المؤامرات التي أعدَّها الأعداء الوهمیّون ضد الجمهوریة الإسلامیة!

33511

الموازنة التي تُخَصَّص لإنتاج الفیلم الواحد

لم یتجاوز معدّل نفقات إنتاج فیلمٍ سینمائي في إیران في عام 2014م، الـ 20 ملیار ریال إیراني، لکن نفقات هذا الفیلم الدعائي الحکومي حول «رسول الإسلام»، بلغت 60 ضِعفاً بالمقارنة مع النفقات الرسمیة المُعلَنة لإنتاج أي فیلمٍ سینمائي آخر.
فبالإضافة إلی الموازنة السّخیّة التي لن تتکرّر في السینما الإیرانیة خلال عشرات السنین القادمة (التي وُضِعَت تحت تَصرُّف المسؤولین عن إنتاج الفیلم المذکور)، فقد جري اهتمام خاص به وتقدیم مساعدات خاصة أخری أیضاً کتجهیز مئة صالة في دور السنیما لِعَرض فیلم «محمد»، في حین یتمّ إعداد أقلّ من ثلاثین شاشة سینمائية لعَرض الاَفلام التي تحظی بترحیب الکثیر من المشاهدین.
ولکن وبعد مضي أسبوعٍ واحدٍ علی عرض الفیلم المذکور في أکثر من 150 صالة عَرض، أي في أکثر من نصف مجموع صالات دور السینما الإیرانیة. کما تفوقت المبالغ التي اُنفِقَت علی الدعایة لهذا الفیلم، علی نفقات إنتاج الفیلم المذکور! وکانت سلطات الجمهوریة الإسلامیة تتوقَّع أن یقوم عشرات الملایین من المواطنین الإیرانیین بمشاهدة هذا الفیلم «أي فیلم رسول الإسلام»، لکن تَوقَّع السلطات لم یَتحقّق. وقد جری تخفیض سعر التذکرة إلی النصف لمشاهدة الفیلم المذکور، إلاّ أن المواطنین لم یقبلوا علی الفیلم مع ذلک.
أما الذین أنتجوا الفیلم، فقد کانوا یتمنّون بأن یشاهد الفیلم شعب الداخل وأن ینال الترحیب علی الصعید الدولي، وفي المهرجانات الدولیة أیضاً. وکانت وسائل إعلام الجمهوریة الإسلامیة تصف فیلم «رسول الإسلام» بأنه «أعظم مشروعٍ سینمائي في العالم الإسلامي» وذلک لکي یجذبوا المزید من طالبي مشاهدة هذا الفیلم. إلاّ أن الفیلم لم یُحَقِّق أي نجاح في المهرجانات الدولیة، وبطبیعة الحال فإن إخفاق الفیلم یعتبره الإسلامیون في النظام بأنه حَدثَ بسبب مؤامراتٍ دُبِّرَت ضده.
فلو کان الشعب الإیراني قد رفضَ الترحیب بهذا الفیلم، فلماذا کان یجب علی الشعب الهندي أو الشعب الباکستاني أو شعوب البلدان الغربیة أن تُرَحِّب به؟

الاقتصاد، والفن الذي تستخدمه الحکومة

وبسبب الأسلوب الفاشل الذي استخدمته السینما الحکومیة (أي أسلوب الإرشاد والتوجیه والحمایة والدَّعم بالاعتماد علی العائدات البترولیة)، والذي تَسبَّب في إتلاف وضیاع مصادر ثروة البلاد طیلة ثلاثة عقود، واجهت السینما الحکومیة فشلاً ذریعاً آخر عبر تنفیذ فکرة المشاریع التي وصفوها «بالممتازة». فخلال عرض فیلم «رسول الإسلام» علی شاشات دور السینما، کان المسؤولون عن إنتاج الفیلم المذکور یبدون أسفَهَم علی النفقات الباهظة التي صُرِفَت علی الفیلم ویُبَرِّرون صَرفَ تلک النفقات.
وقد واجَه عَرض هذا الفیلم في ترکیا علی شاشات دور السینما هناک، سلسلة من المشاکل الحقوقیة، حیث قیل إنها سوف تتمّ تسویتها في المستقبل القریب.
وبطبیعة الحال هناک برامج کثیرة أخری لعَرض هذا الفیلم علی شاشات دور السینما في البلدان الأخری، لکن المسؤولین هناک یغلقون جمیع الطریق أمامنا. إنهم یقولون إن قِسم مراقبة المطبوعات والأفلام السینمائیة والبرامج الإذاعیة والتلفزیونیة، وکذلک علماء الدین في بلدانهم یجب أن یسمحوا بعَرض فیلم «رسول الإسلام» علی شاشات دور السینما في بلدانهم. فمثلاً أصدر علماء المسلمین فتوی في الهند، رفضوا فیها عَرض الفیلم المذکور علی 300 ملیون مسلم هندي.

إنتاج الأفلام الحکومیة

إن المنتجین الکبار الأربعة للأفلام في إیران الذین یمتلکون المصادر المالیة والتجهیزات اللازمة لإنتاج الأفلام، هم:
1 ـ مؤسسة الفارابي: تقوم مؤسّسة الفارابي سنویاً بمنح دعمٍ مالي لعشرات من الأفلام، وتساعد في إعداد التجهیزات لها.
2 ـ القسم الفنّي: بالإضافة إلی الإمکانیات ومصادر إنتاج الأفلام المتوفّرة لدی هذا القِسم، یوجد تحت تَصرُّفهِ أیضاً 117 داراً للسینما في إیران. ومن المقرّر أن یضمّ القِسم الفنّي في السنة الإیرانیة الحالیة 30 صالة عَرض أخری للأفلام.
علماً بأن هذا العدد من دور السینما التي یمتلکها هذا القِسم، یشکِّل ما یقارب ثُلث مبیعات الأفلام أي 220 ملیار ریال إیراني من مجموع 600 ملیار ریال إیراني.
3 ـ مؤسسة «نور تابان» (الضوء المُستَنیر) السینمائیة: هذه المؤسّسة التي أنتجت فیلم «رسول الإسلام»، تابعة لمؤسّسة المُستَضعفین التي أنتجت خلال العقود الأربع الأخیرة، مئات الأفلام الأخری.
4 ـ منظمّة «أوج» (الذروة) الفنّیة والإعلامیة التابعة للأجهزة العسکریة: إن هذه المنظّمة تُعتبر الساعِد الإعلامي للأجهزة العسکریة. وکانت خلال فترة المفاوضات الذریة، تمارِس بثّ الدعایات في الشوارع ضد المفاوضات التي کانت جاریة آنذاک بین الجمهوریة الإسلامیة وبین القوی العالمیة الکبری.
هذا وبالإضافة إلی هذه المؤسسات الأربع، هناک عشرات المؤسّسات الحکومیة والتابعة للنظام لوزارة الاستخبارات، وقوات الشرطة والأمن، ومنظمة الإذاعة والتلفزة، ومرکز تطویر السینما التجربیة التابعة لوزارة الإرشاد أیضاً التي تقوم بإنتاج أفلام دعائیة لتحقیق أهدافها. ونشیر هنا إلی أنه من المستبعد جداً أن یتمّ إنتاج فیلمٍ سینمائي، أو فیلمٍ وثائقي في إیران، دون دعمٍ مباشر أو غیر مباشرٍ مالي وغیر مالي من الحکومیة أو سائر أجهزة النظام في إیران (باستثناء الأفلام التي تُنتَج في الخفاء «تحت الأرض» عبر التجهیزات المألوفة جداً کفیلم «التاکسي» من إنتاج جعفر بَناهي).
فالسینما الحکومیة عادةً لا تولي أي اکتراثٍ بالسوق وبالبیع بل أنها تُنتِج الأفلام لمُجَرَّد الإنتاج فقط. فالجمهوریة الإسلامیة تُنفِق سنویاً آلاف الملیارات من الریالات الإیرانیة (من ضمنها 1200 ملیار ریال إیراني عن طریق وزارة الإرشاد) من أجل إنتاج أفلامٍ ذات تَوجَّهات دعائیة. وقد بلغت عائدات مبیعاتها 600 ملیار ریال إیراني في العام الماضي (2015م).

أوضاع سائر وسائل الإعلام

لیست السینما وحدها، بل أن منظمة الإذاعة والتلفزة الحکومیة في إیران أیضاً مُفلِسة. إن هذه المنظمة لا تستطیع أن تواصل حیاتها مطلقاً إلاّ عن طریق حَقنِها بالدولارات البترولیة.
إذ یقول المدیر العام للبنک المرکزي الإیراني: «إن منظمة الإذاعة والتلفزة الإیرانیة هي مُنشَأَة اقتصادیة مصابة بالإفلاس، نقوم نحن بمواصلة مساعدتها ودعمها سنویاً بمبلغ 4000 إلی 5000 ملیار ریال إیراني (نقلاً عن صحیفة «تابناک» بتاریخ 2 ینایر/کانون الثاني الماضي).
إن هذه المنظمة التي تضمّ 38500 مُوَظَّف (مجموع مُرتَّباتهم یربو علی 14000 ملیار ریال إیراني)، لیس بإمکانها التنافُس مع الشبکات التلفزیونیة الفضائیة التي یضُمّ کلٌ منها ما بین 10 إلی 40 موظَّفاً فقط!
إن قلق وسائل الإعلام الحکومیة الإیرانیة الذي تَشعُر به هو هل أن المسلسلات التلفزیونیة التي تعرضها کمجموعة «الکیمیاء» التي کانت تحکي قصة الکیمیاء القدیمة التي أعَدَّت مُستَحضَراً کیمیائیاً خیالیاً اعتقد أصحابه بأنه قادرعلی تحویل المعادن الرخیصة، إلی ذَهَبٍ أو فِضَّة أو حتی إلی إطالَة حیاة البَشَر. هل أنها قادرة علی التُنافُس مع الشبکات التلفزیونیة الفضائیة التی تَبُثُّ برامجها المُوجَّهة إلی إیران؟
أما عدد مبیعات الصحف الحکومیة في إیران، فقد کانت الإحصاءات بشأنها مُزَوّرة، لأن الصحف تستخدم تلک الإحصاءات فقط من أجل الحصول علی المزید من المعونات المالیة الحکومیة!
ومن جهة ثانیة انخفض عدد مبیعات الصحف، باستثناء ما تشتریه الحکومة وتوزّعه علی وزاراتها والمنظّمات التابعة لها. فقد تقلّصت المبیعات إلی أقلّ من 5000 نسخة لکل صحیفة. أما أوضاع بیع الکتب في إیران فقد کانت أسوأ من ذلک، إذ تقلّص بیع الکتب في العقد الماضي إلی الثُلث

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.