الفنان كوهين: يتهمونني بالخيانة لتبرعي للاجئين السوريين /حسام عاصي

اتهم مناصرو إسرائيل الكوميدي اليهودي البريطاني، شاسا بارون كوهين بالخيانة مؤخرا بعد إعلانه، برفقة زوجته الممثلة الأسترالية، ايسلا فيشير، عن التبرع بمليون دولار للاجئين السوريين، متسائلون «أليس واجبه كيهودي أن يدعم شعبه بدلا من أعدائه؟». ولكن في مقابلة أجريتها معه قبل أيام في فندق «الفور سيزنس» في «بيفيرلي هيلز»، قال لي إنهما كأب وأم لثلاثة أطفال شعرا بأن عليهما أن يقدما المعونة عندما شاهدا معاناة الأطفال السوريين عبر شاشات التلفزيون: «أنا أعتقد أن هذه أكبر مأساة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية وهي تغيّر العالم. خمول المجتمع الدولي لمدة 5 أعوام خلق أزمة اللاجئين وهذا سوف يغيّر أوروبا تماما»، يقول كوهين، الذي وُلد في غرب لندن لأب يهودي صاحب متجر ملابس من ويلز ولأم اسرائيلية مدربة رقص.

3461

وكان الزوج قدّما نصف المبلغ لمنظمة «انقذوا الأطفال» لتمويل حملة لتطعيم الأطفال ضد مرض الحصبة في شمال سوريا، والنصف الآخر للجنة الإنقاذ الدولية لمساعدة اللاجئين في سوريا والدول المجاورة، وخاصة النساء والأطفال، عن طريق توفير العناية الصحية والمأوى والمرافق العامة.
كوهين وزوجته يتبرعان لمشاريع خيرية مختلفة كل عام، ولكن هذه هي المرة الأولى التي قاما بذلك علنا: «الحقيقة هي أن مسؤولي المنظمتين الخيريتين طلبوا منا أن نعلن عن التبرع لأنهم شعروا أن الوضع في سوريا رهيب، وأن إعلاننا سوف يثير انتباه العالم إلى هذه المأساة»، يضيف كوهين، ثم يتحول من الجدية إلى السخرية ليذكرني بما قاله لي في مقابلتنا قبل عامين عندما حضر متقمصا شخصية الجنرال علاء الدين من فيلم «الديكتاتور» الذي قام باخراجه وببطولته: «ّهل تذكر عندما قلت لك: باسم صديقي الرئيس الأسد أريد أن أشكر الأمم المتحدة على تكاسلها العظيم تجاه سوريا»، يهتف كوهين، محاكيا صوت الديكتاتور.

وهو ليس غريبا عن إثارة الجدل، فمنذ بداية سيرته المهنية في الكوميديا التلفزيونية أواخر التسعينيات كان عرضة للإنتقادات اللاذعة ودعوات قضائية، اتهم فيها بإهانة وتشويه سمعة بعض الناس الذين وقعوا في فخ سخريته من خلال الشخصيات التي تقمصها وهي: شخصية البريطاني الأبيض المقلد لحضارة السود وهو «علي جي»، الصحافي الكازخستاني وهو بورات ساغدييف، مقدم برنامج الأزياء المثلي وهو برونو جيهارد وديكتاتور وديعة وهو الجنرال علاء الدين. هذه شخصيات معتوهه ولا تلتزم بسلوك اجتماعي أو أخلاقيات مهنية أو قيم إنسانية ومن خلالها نجح كوهين في فضح العنصرية واللاسامية وكراهية الأجانب المنتشرة في الولايات المتحدة (بورات) وكراهية المثليين وسطحية عالم الأزياء (برونو) وجهل الرجل البريطاني الأبيض من الطبقات العاملة (علي جي) وجنون الحكام العرب (جنرال علاء الدين).

ومن الدعاوى القضائية التي واجهها كوهين دعوى من قبل الحكومة الكازخستانية، التي اتهمته بعرض صورة زائفة ومشوهة عن بلدهم من خلال تصريحات وسلوك شخصية بورات اللاأخلاقية. كما أن تصرفات علي جي وبرونو البذيئة أثارت غضب السمر والمثليين: «أنا أدرك أن كثيرا من الناس يكرهونني»، يضحك كوهين: «أنا أصنع أفلامي لنفسي، لاصدقائي وللمعجبين. وفي النهاية لا يمكن أن ترضي الناس كلهم. كلما قلت لهم إن علي جي ليس أسود وإنما يريد أن يكون أسود، يسألوني: لماذا لم توضح ذلك؟ ولكن إذا نزّلت مستوى الكوميديا لأدنى قاسم مشترك لتفادي عدم فهمها، تصبح الكوميديا ليست فنا وإنما نكتا فارغة لتضحك الناس. أسلوبي الكوميدي عبر السنين مرغوب من قبل بعض الناس ومكروه من قبل الآخرين. ولكن لا أحد مجبر على مشاهدة أفلامي.»

هذا الأسلوب الكوميدي استلهمه كوهين من مجموعة الكوميديا السيريالية البريطانية، مونتي بايثون، التي ظهرت على شاشة «بي بي سي» لأول مرة عام 1969، طارحة منهجا هزليا تلفزيونيا لاذعا تجاوز حدود ما هو مقبول وقتها من أسلوب ومضمون، وصلت ذروتها في الفيلم المثير للجدل «حياة برايان»، الذي سخر من الدين والمسيح: «أول فيلم شاهدته في حياتي كان حياة برايان»، يقول كوهين البالغ الـ 44 من العمر: «كنت في الثامنة من العمر وتسللت مع أخي إلى داخل السينما وكل ما أذكره هو انقطاع نفسي من شدة الضحك ومشاهدة الجمهور يرتجف قهقهة وهذا ما دفعني إلى الكوميديا الجسدية، التي تهز الجمهور بأجمعه.»

ولكن منهج طرح الهزل عبر تقمص شخصيات خيالية كان استوحاه كوهين من الكوميدي البريطاني بيتر سيلرز، الذي ابتكر المفتش كلوزو، دكتور سترينجلاف، وشاونسي غاردنر: «بالنسبة لي بيتر سيلرز كان من العجائب الكبرى، لأنه خلق شخصيات هزلية مضحكة ولكنها كانت معقولة جدا. فلهذا لم تر الكوميدي وراء هذه الشخصيات وكنت تصدق أنها واقعية»، يعلق كوهين، الذي درس التمثيل في جامعة كامبردج البريطانية، حيث التحق بمسرح فلاشلايت، الذي نشأ فيه أعضاء مجموعة مونتي بايثون.

هذه الأيام يروّج كوهين لفيلمه الهزلي الجديد «الأخوان غريمبزبي»، الذي يجسد فيه شخصية معتوه يدعى نوبي، ويعيش في بلدة صيادي سمك انكليزية مع حبيبته السمينة (ريبيل ويلسون) وتسعة أطفال. نوبي يقضي 28 سنة بحثا عن أخيه الضائع (مارك سترونغ)، وعندما يجده يكتشف أنه عميل سري في المخابرات البريطانية وأنه ضحية مؤامرة شريرة، أجبرته على الهرب من المخابرات. نوبي الأبله واخوه المحنك يخوضا معارك ضارية ومضحكة ضد الأشرار من أجل انقاذ نفسيهما والعالم.

كما عوّدنا كوهين في أفلامه السابقة، «الأخوان غريمبزي» حافل بالسخرية الفظة والنكت الجنسية المثيرة للاشمئزاز، ولكن ما يميزه هو مشاهد الحركة، التي لا تقل إثارة عن حركة أفلام بوند، والتباين بين شخصيتي الفيلم. فمن جهة نوبي يكرس وقته لمشاهدة كرة القدم مع أطفاله المشاغبين أو بشرب البيرة مع زملائه البسطاء في المخمرة ومن جهة أخرى نشاهد أخاه الفردي يخوض معارك دموية مع تجار الأسلحة والمخدرات ويسحقهم واحدا تلو الآخر، إما بيديه أو بأسلحته الفتاكة. المضحك هو أن غباء وعفوية نوبي وتصرفه الأرعن ينقذ أخاه من هلاك محتم مرات عدة ويسبب أكثر ضررا للأشرار من حنكة أخيه.

رغم أن الفيلم يعرض مشاهد عري وجنس مبتذلة وصادمة، إلا أن كوهين يصر على أن «الأخوين غريمبزي» هو فيلم عائلي: «ولكنه غريب جدا»، يعترف ضاحكا: «ما أردت من هذا الفيلم هو أن يكون أولا فيلم حركة فعال، وثانيا أن يكون مضحكا، ولكن ثالثا أن يكون مبنيا على الرابط العاطفي بين الأخويْن. والنتيجة كانت فيلما عن عائلة غريبة الأطوار.»

مشاهدة هذا الفيلم وأفلام كوهين السابقة يوحي بأنه لا توجد حدود لكوميدية هذا الفنان، إذ أنه يضرب كل من نعرفه من أخلاقيات وسلوكيات اجتماعية وصواب سياسي بالحائط ولا يبالى بانتقادات مناهضيه. ولكنه ينكر ذلك مصرا على أنه يناقش أخلاقية كل نكتة يبتكرها مع فريق كتّابه قبل أن يقدمها في فيلم، وأن كما كبيرا من نكته لم تر نور النهار لأنها لم تكن أخلاقية أو ملائمة للزمن: «هناك أمور يكون الضحك فيها مستحيلا في هذه اللحظة وعليك أن تتيقن من أن نكتك لا تعزز النمطية السلبية تجاه بعض الناس وإنما تشكك بها وتضعفها. فأنت ككوميدي تتعامل مع أمور عليك أن لا تتعدى حدودها وألا يكون تصرفا غير مسؤول»، يختتم كوهين.

نقلأعن :إيلاف

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.