إلا إذا تخلت إيران عن أحلامها الطائفية/أنور عبدالرحمن

شاركت مساء الإثنين الماضي في برنامج حواري مباشر امتد أكثر من ساعة بثه تلفزيون «صوت أمريكا».

يوم السبت السابق، كان قد تم الاتفاق على شكل البرنامج وعلى أن يشارك في الحوار اثنان من المثقفين الإيرانيين.

لكن في آخر دقيقة تغير كل هذا، وفوجئت بأن محمد منظربور، رئيس الخدمة الفارسية في صوت أمريكا قد تمت دعوته للمشاركة في الحوار.

وكان المشارك الثاني هو الأكاديمي الدكتور هرميداس باوند، والثالث هو علي جوانمردي.

22450

أعتقد أن هذا التغيير المفاجئ كان بسبب التطورات المتسارعة في المنطقة في ضوء إقدام السعودية والبحرين على اتخاذ قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران.

ليس من المعتاد أن يشارك رؤساء محطات إذاعية أو تلفزيونية في مثل هذه البرامج الحوارية. لكن يبدو أنه نظرا إلى خطورة الأحداث والتطورات الأخيرة، فقد قرروا أن يلقوا بكل ثقلهم في الحوار.

كان المتحدث الأول هو منظربور الذي زعم أن السعوديين تصرفوا بشكل متسرع ولم يعطوا أنفسهم الوقت الكافي للتفكير بعد أن قام المخربون باقتحام السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد. وادعى أن رد الفعل السعودي كان عاطفيا ومتعجلا.

أما الدكتور باوند فقد استعرض العلاقات التاريخية بين السعودية وإيران منذ أواخر ستينيات القرن الماضي حتى اليوم. وقال إنه حتى في عهد شاه إيران، مرت العلاقات بفترات صعود وهبوط وخصوصا في فترة حكم الملك فيصل.

وكانت الملاحظات التاريخية التي أبداها عامة جدا، بلا أي مضمون حقيقي، ولا علاقة لها بالأحداث والتطورات الحالية.

وكان المتحدث الثالث هو جوانمردي، وهو صحفي شاب في أواخر الثلاثينيات من العمر، ويعمل حاليا في العراق وتحديدا في إقليم كردستان. شرح الموقف في العراق في أعقاب إعدام المواطن السعودي نمر النمر، وقال إن العراقيين كانوا منقسمين بين مؤيد لإعدامه، وبين رافض.

عندما أتى دوري في الحديث، وجهت كلامي وملاحظاتي مباشرة إلى مدير الحوار بيان يزديان، وأعربت بداية عن احتجاجي الشديد وقلت إن هذا الحوار غير عادل وغير متوازن. وأي عدل أو توازن إذا كان المتحدثون الثلاثة الآخرون قد أتيحت لهم فرصة الحديث مدة 45 دقيقة، ولم يتح لي سوى الحديث مدة 15 دقيقة فقط؟ هذا مع العلم أن الثلاثة ينتمون إلى الاتجاه نفسه ولهم تقريبا الموقف نفسه.

أصيب مدير الحوار يزديان بالصدمة حين استمع إلى انتقاداتي هذه، وكاد يفقد صوته وهو يحاول أن يبرر ما حدث. وقد طلبت بإصرار ألا يقاطعني أحد أثناء الحديث، وهو الأمر الذي قبله وهو في حالة ارتباك شديد.

قلت: أيها السادة، لقد تحدثتم جميعا عن الماضي. نحن في البحرين منذ عام 1994 لم نشهد من الجارة إيران إلا الإرهاب، والتحريض الديني، والأكاذيب والحملات الإعلامية المضللة. لقد قامت إيران بتدريب العديد من شبابنا الشيعة المغرر بهم، بعد استدراجهم إلى طهران، وتعليمهم كيفية صنع القنابل واستخدام الأسلحة والمواد المتفجرة، وذلك بهدف إشاعة الفوضى والدمار في مجتمعنا المسالم.

المشاركون الآخرون في البرنامج اتهموني بأنني لا أمتلك أي دليل يؤكد ما قلت. هم لا يدركون أن المتورطين في الشبكات الإرهابية الإيرانية الذين تم اعتقالهم قدموا اعترافات تفصيلية، وحددوا حتى أسماء الذين قاموا بتدريبهم، والذين وفروا لهم السلاح وحاولوا تهريبه إلى البحرين.

الأمر المحزن في هذا الحوار أن منظربور، مدير صوت أمريكا تحدث وتصرف كما لو كان مديرا لمحطة تلفزيون إيرانية، وخصوصا عندما قال إن البحرين كان من الممكن أن تشهد تغيرا في النظام لولا السعودية.

وقد رددت على ما أثاروه بالقول إن كل هذه الآراء التي عبروا عنها هي في الحقيقة نتاج لتقارير زائفة مضللة كتبها المنتمون إلى الطابور الإيراني الخامس.

أما فيما يتعلق بالآراء التي أبدوها حول إعدام مواطن سعودي واحد، فقد قلت إنهم مدفوعون بانحيازاتهم وتصوراتهم المسبقة وبرغبتهم في الدفاع الأعمى عن إيران.

وقد طرحت عليهم سؤالا بسيطا محددا. قلت: إن أكثر من 20% من الإيرانيين هم من السنة. ومع هذا، ليس لديكم في إيران وزير سني واحد، أو وكيل وزارة أو سفير. هل هذا أمر عادل؟

وقلت: قارنوا هذا الوضع بالوضع عندنا في البحرين، حيث لدينا العديد من الوزراء ووكلاء الوزارة والسفراء من الشيعة.

وأضفت: إنكم تتحدثون عن رجل واحد تم إعدامه وتصادف أنه شيعي. وهو لم يعدم بسبب انتمائه الطائفي، وإنما لأنه خرق القانون، واستخدم المأتم في التحريض على الكراهية والعنف، وللدعوة إلى الثورة ضد المجتمع.

وقلت: إنكم تتجاهلون تماما أنه في العام الماضي، تم إعدام أكثر من ألف إيراني، وأغلبهم من السنة من بلوشستان وكردستان.

الأمر الغريب أنه بعد أن قلت هذا الكلام، فإنّ المشاركين في الحوار، ومديره أيضا، لم ينطقوا بكلمة واحدة.

وواصلت حديثي قائلا: إن تعليقاتكم تنطوي على زعم أن شعبي البحرين والسعودية يعانون من الظلم ولا تعاملهم حكومتهم بشكل لائق. دعوني ألفت نظركم إلى أنه لم يحدث أن فكر مواطن سعودي أو بحريني أو من دول مجلس التعاون الخليجي عموما في أن يهرب من بلده، باستثناء الموالين لإيران والخاضعين لنفوذها. يحدث هذا لأنّ كل مواطن في مجلس التعاون يعامل باحترام، ويعيش حياة كريمة من دون خوف أو قهر. قارنوا هذا بما حدث في إيران. منذ عام 1979، حتى اليوم، هرب إلى الخارج أكثر من ستة ملايين من التكنوقراط في أكبر عملية نزيف للعقول يشهدها أي بلد، وذلك فرارا من القمع والملاحقة والأوضاع المتردية.

مرة أخرى، بعد أن قلت هذا الكلام، لم ينطق أي من المشاركين بكلمة واحدة.

في النهاية، طرح مدير الحوار السؤال التالي: هل يتوقع أي منكم أن تعود العلاقات بين إيران وجيرانها إلى الوضع الطبيعي في القريب العاجل؟

ردا على هذا السؤال، أقول: عودة العلاقات إلى طبيعتها أمر ممكن، لكن فقط إذا أوقفت إيران تدخلاتها الإجرامية في شؤون دولنا وتخلت عن أطماعها الطائفية وحلمها بإقامة إمبراطورية شيعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.