الجزء الثاني من مذكرات بحريني عجمي

الجزء الثاني من مذكرات بحريني عجمي

بناءاً على رغبة وإصرار بعض الرفاق والأصحاب الذين أشادوا وأثنوا على ما جاء في هذه المذكرات، وطلبوا مني كتابة الجزء الثاني منها وتوثيق بعض الأحداث التي لم تخطر على بالي عند كتابة الجزء الأول، حيث كتبتها على عجلة من أمري لأن الأوضاع في البحرين كانت تسير نحو كارثة الفتنة الطائفية والمذهبية، وكان الهدف من نشر هذه المذكرات هو المشاركة في تخفيف حدّة التوتر والإحتقان السياسي والأمني ونبذ العنف والتفرقة العنصرية، حيث كانت الأجواء في البحرين تنذر بالشؤم وكانت تشبه لبنان عشية الحرب الأهلية في الثمانينيات من القرن الماضي.

بجانب الذكريات الحلوة والمرة هنالك الأحداث المأساوية والدامية التي ستبقى دوماً في ذاكرتي :-

الطفل البريء :-

في بداية الخمسينيات، عندما كنا صغار ونلعب بالقرب من بيتنا في فريج المخارقة قرب مسجد الجامع، حينها سمعنا أصوات تعلو من بيت أحد الجيران الذي كان على بعد نحو عشرة أمتار من منزلنا. عندما دخلنا البيت المذكور شاهدنا عراك بين الجارين اللذين كانا يسكنان في بيت واحد. كان سبب العراك بين أصحاب العائلتين العلاقة الغير شرعية بين الجار مع زوجة جاره الذي كان أعور وقبيح الوجه ويكبره سناً، فقد كان الآخر يصرخ ويهدد خصمه بالإنتقام وتلقينه الدرس الذي سوف لن ينساه طوال حياته مقابل خيانته بإقامة علاقة مع زوجته.

في أحد أيّام فصل الصيف قام الجار المغدور بشراء بعض الحلويات لإبن جاره الذي كان يبلغ من العمر نحو أربع سنوات واصطحبه معه مشياً على الأقدام في وقت الظهر وعزّ الحر إلى أحد البساتين الواقعة غرب منطقة النعيم، ثم قام بقتله خنقاً بطريقة وحشية ودفنه بالقرب من مجرى الماء وسط الأشجار.

الطفل البريء كان ضحية رغبات والده الشهوانية والشيطانية الذي غدر بجاره، وكانت النتيجة إنتقام الجار منه وإرتكابه تلك الجريمة الشنيعة والبشعة، والذي نال فيما بعد عقوبة الإعدام على عمله الإجرامي، في حين إنتقلت العائلة المفجوعة من المنامة وسكنت في منطقة المحرق تفادياً للإحراج الشديد من الجيران.

الجريمة الغامضة :-

يقال والعهدة على الراوي بأن قبل نحو ستين سنة وقعت جريمة قتل بالقرب من منطقتنا في وقت متأخر من إحدى الليالي وكانت الضحية هذه المرة فتى شاب وجد مقتولاً بضربات آلة حادة أثناء نومه في مرآب أحد المنازل الذي كان يعمل فيه. وقد انتشرت آنذاك إشاعة بأن سبب القتل كان إنتقام إحدى العائلات منه لإقامته علاقة حب مع إحدى بنات العائلة، تلك العلاقة الطبيعية كانت جريمة الشاب الذي نال عقاب شديد ومريب. وكان المقتول أحد أقرباء عائلة تسكن بجوار بيتنا، ومن المضحك المبكي ماحدث أثناء النواح والبكاء، حيث قامت العائلة بوضع قميص المقتول الملطّخ بالدماء في قدر الماء الذي كان يغلي على النار إعتقاداً منه بأن سوف يأتي القاتل عند باب منزلهم ويعترف بجريمته ، ولكن لم يأتي القاتل ولم يجدوا أي أثر للجاني وهكذا أُسدل الستار على هذه الجريمة الغامضة والبشعة.

مواجهة دموية بين السنة والشيعة (البحارنة) :-

في صباح يوم الأحد العاشر من المحرم 1363 هجرية (20 سبتمبر 1953)، حينما كنت مع أصدقائي ننتظر عبور مواكب العزاء أمام مأتم العجم الكبير، شاهدت جمع غفير من الناس يندفعون من جهة الشرق إلى الغرب. سرعان ما انتشر خبر وقوع مواجهة دموية بين الشيعة المشاركين في موكب العزاء والسنة الذين كانوا يتفرجون على جانب الشارع. حسب الوثائق البريطانية، عندما كان الموكب يسير في شارع بلجريف في المنامة حدثت مشادة بين عدد من المشاركين في الموكب وهم من الشيعة ) وآخرين كانوا يتفرجون على جانب الشارع ( وهم السنة ) . وذكرت بعض التقارير أن رجال الشرطة حاولوا اعتقال أحد الشيعة الغاضبين من جمهور المتفرجين، ولكنهم لم يستطيعوا ذلك بسبب الزحام وضجة الجموع . بعد قليل تمكنت سيارة حكومية من شق الصفوف وإرجاع حالة من الهدوء بين الجموع . في هذه الفترة كانت المشاعر تغلي بين الجانبين حيث بدأت الاستعدادات لمواجهة دموية ، هذا في الوقت الذي كان فيه رجال الشرطة يحاولون اعتقال بعض الشباب . حينها حاول بعض الشيعة تخليص عدد من رفاقهم من قبضة الشرطة، وبدأت هنالك معركة بين الجانبين بعد أن فقدت الشرطة السيطرة على الموقف .

البهلوان الإيراني خليل عقاب :-

في عام 1953 زار البهلوان الإيراني خليل عقاب البحرين وقام باستعراض الأعمال والحركات البهلوانية في المنامة والمحرق، هذه الاستعراضات شملت تمرير السيارة على صدره وسحب شاحنة بأسنانه وثني قضيب حديدي بيده وتحطيم صخرة كبيرة على صدره. خليل عقاب كان يعتبر أقوى رجل في ايران، ولأول مرة قام بإحضار فيل وأسد من الهند من أجل الاستعراض في السرك الإيراني. علماً بأن 10% من ريع عروض ألعاب البهلوان خليل عقاب خصص لحساب مرضى السل في البحرين (المصدر: محامو البحرين في موقع غوغل).

حادثة الشجار وإطلاق النار في المنامة قرب سوق الخضرة :-

في أحد الأيام من عام 1956، وعندما كنا نتجوّل في سوق الخضرة شاهدنا المناوشات بين مراقب البلدية وأحد بائعي الخضار لمنعه الإفتراش على الأرض قرب الشارع. لقد تطورت المناوشات وتحولت إلى العراك، حتى تدخلت الشرطة لفك الإشتباكات لكن دون جدوى. بعد فترة وجيزة شاهدنا وصول شاحنة وكانت تقل عشرات من أفراد الشرطة التي نزلت منها واصطفت أمام بوابة مبنى البلدية. كوننا أطفال وكنا ننظر إلى طابور الشرطة بعفوية، قال لنا أحد أفراد الشرطة باللهجة الفارسية “إذهبوا إلى بيوتكم لأن الشرطة ستطلق الرصاص في أية لحظة”. بعدما تركنا المكان وإقتربنا من بيوتنا التي كانت بالقرب من مبنى البلدية، سمعنا أصوات الطلقات النارية ورأينا الناس تهرب إلى جميع الإتجاهات. في اليوم التالي انتشر خبر مقتل العديد من الأفراد ، من بينهم بائعي الخضار وبعض المارة و حتى المشترون داخل سوق الخضار.

أقدم لكم الوثيقة التالية التي حصلت عليها من موقع غوغل الإلكترونية :-

* حادثة البلديات 11 مارس 1956 :
في حوالي الساعة العاشرة والربع من صباح يوم الأحد 11 مارس 1956 حصلت حادثة كانت لها آثارها على الوضع السياسي المتفجر في البلاد . جرت هذه الحادثة أمام سوق الخضرة في المنامة . فقد كان أحد باعة الخضار ( وهم عادة من الفقراء ) يضع بضاعته على الرصيف ليبيعها على الناس كما كان معتادا ً منذ سنوات عديدة ، فجاء أحد موظفي البلدية ( مفتش ) وطلب منه أن يقوم هو وبضاعته من الطريق ، ولكن رفض ذلك . فجاء مفتش البلدية بشرطي لإزالة صناديق خضرة البائع بالقوة ، إلا إن البائع رفض ذلك وحدث شجار بينهما . أثناء ذلك تجمع الناس شيئا ً فشيئا ً وحاولوا التصدي لمجموعة من أفراد الشرطة كانوا موجودين بالسوق مع المفتش ، فهربوا إلى مبنى البلدية الذي كان قريبا ً من السوق والتجأوا هناك . وبدأ الناس يجتمعون عند البلدية وأخذوا يطالبون بالشرطي الذي ضرب البائع . بعد ذلك جاءت مفرزة من الشرطة ، ولكنها لم تستطع أن تعمل شيئا ً فقد حدث التجمع سريعاً و بأعداد كبيرة ، وتدخل بعض أعضاء الهيئة لإقناع المتجمعين بالتفرق ولكنهم لم ينجحوا في ذلك . وفي حوالي الساعة 3:00 بعد الظهر حاولت الشرطة المجيء بسيارة شحن كبيرة إلى باب البلدية ليستقلها الشرطة المحاصرون في الداخل ، إلا إن المحاولة فشلت .
في حوالي الساعة 3:20 بعد الظهر سمعت طلقات رصاص من الشرطة سقط بسببها شخصان صرعا على أقل تقدير، ومات خمسة آخرون في وقت لاحق وجرح حوالي خمسة عشر شخصا ً . وذكر مسؤول الشرطة ، الكولونيل همرسلي لاحقا ً أن الشرطة ” أمروا بإطلاق النار فوق الرؤوس ” وهذا يؤكد أن أوامر إطلاق النار صدرت من مسؤول الشرطة البريطاني . بعدها تفرق الناس وهم يلعقون دماءهم . ولا شك أن حادثة إطلاق النار كانت نقطة تحول في حركة المعارضة لأنها أقنعت الجماهير بأن العنف هو أسلوب السلطة في نهاية المطاف ضد مطالب الشعب .
وبدأت صيحات الشجب تنطلق من حناجر الناس ومن الهيئة التنفيذية العليا ، وبدأت المطالبة بعزل المستشار تشارلز بلجريف ، تأخذ بعدا ً جديدا ً باعتباره المسئول عن إطلاق النار من قبل الشرطة التي يرأس جهازها بنفسه .

ميولي وإتجاهاتي السياسية وكيفية دخولي إلى هذا العالم الغامض والبحر العميق :-

عام 1953 عندما أزيح رئيس وزراء الإيراني “محمد مصدّق” من منصبه بعد قيامه بتأميم النفط ، كنا صغار ونعزّي خلف الكبار في موكب العزاء ونردد معهم بالفارسية “يا مرگ يا مصدّق” ( إمّا الموت أو مصدّق ). كان ذلك أوّل شعار سياسي يطلق في موكب العزاء في البحرين لمؤيّدي محمد مصدّق رئيس وزراء ايران الذي شغل المنصب بين عامي 1951 و 1953 ويعتبر في ايران بطلاً قومياً لرفضه الإمبريالية الغربية وقيامه بتأميم النفط أبان تسلمه الرئاسة، كما قام بخلع الشاه إلا أنه سرعان ما أعيد بعملية أميركية بريطانية مشتركة سميت بالعملية أجاكس. أعتقل محمد مصدق بعدها وسجن لمدة ثلاث سنوات وأطلق سراحه بعدها ولكنه ظل رهن الإقامة الجبرية حتى وفاته في العام 1967.

بعد عودتي من التعزية إلى البيت وعندما كنت أردد “إمّا الموت أو مصدق” كان المرحوم صهري الكبير يشمئز مني ويقوم بضربي بشدّة لأنه كان يؤيّد الشاه وضد محمد مصدق بعد الأحداث السياسية في ايران آنذاك. معظم المقيمين في منطقتنا كانوا من أصول إيرانية ويؤيدون النظام الملكي في إيران، ماعدا عدد قليل من الأفراد الذين كانوا يؤيدون رئيس الوزراء محمد مصدّق.

كنا شلّة من الأطفال بين عشرة وخمسة عشر سنة من العمر ولا نفكر في شيء إلاّ الأكل واللعب والمرح والنوم بعد التعب من الشقاوة والحركة طوال اليوم وحتى وقت متأخر من المساء. كنا لا نهتم بالأمور الدينية والمذهبية، ولكن كنا ننتظر شهر المحرم على أحر من الجمر للحضور في المآتم وثم المشاركة في التعزية أو مشاهدة المواكب الحسينية وأهم من كل شيء المشاركة في الولائم أو الحصول على بعض الأطعمة للأهل في بيوتنا. وفي المآتم وبينما كان القاريء يتحدث من فوق المنبر عن أهل البيت ومعركة كربلاء ويوم عاشوراء وإستشهاد الإمام الحسين، و الحضور ينتحبون ويبكون ،كنت أنا وبعض أصدقائي نجلس القرفصاء ونضحك بدلاً من البكاء ونخفي وجوهنا، لأننا كنا لانستوعب ونشك في ما كان يقوله القارئ في حديثه وصراخه.

ومن النكت الهندية الدارجة بأن سألوا أحد الهنود المسلمين سبب عدم إقامته الصلاة والصوم، رد باللغة الهندية ” نماز كو آدت نهي، روزه بي تاكت نهي” وتعني بالعربية “لست متعوّداً على الصلاة، ولا أستطيع أن أصوم”. كان حالي آنذاك يشبه حال الهندي المسلم، لأنني حتى بعد وصولي سن البلوغ لم أتعوّد على الصلاة والصيام، ومع أن المرحوم والدي كان يجبرني على أداء الفرائض الدينية لكنني في الواقع كنت أشعر بالإستياء من إجباري على الصلاة والصيام وكنت أقوم بتمثيلية وأردد الكلمات التي تحتوي على السين والباء أو الميم لأموّه له بأني أصلّي، وفي أحد الأيام من شهر رمضان مثلت دور المغمي عليه من أثر الصيام لأتهرب من الصوم . فقامت والدتي بالدفاع عني لعدم إستطاعتي الصيام، وكانت هذه التمثيلية نهاية علاقتي بالصلاة والصيام. حديث الذكريات يذكرني بنكتة ألا وهي: كان هناك شخص بلا دين تعود زيارة أصحابه الشيعة أيام عاشوراء ليستمتع ويتلذذ بأكل الطعام في المآتم وكان يعلم بأن عاشوراء يقع في شهر محرم الحرام وكان يجهل أسماء الأشهر العربية الأخرى، وفي أحد الأيام جاء لزيارة أصحابه وكان الوقت نهاراً ولا يوجد أثر للطعام والمأكولات وكان يشعر بالجوع الشديد، فسأل أحد المارة ما هو اسم هذا الشهر، فرد عليه رمضان كريم. استغرب الزائر وقال عجبي، كنت أزور أصحابي في شهر محرم الحرام وكان الطعام متوفر بكثرة وهذا الشهر الذي يسمى رمضان كريم لا يوجد فيه أي أثر من الطعام؟!.

علاقتي ببعض مؤسسي جبهة التحرير الوطني البحرانية :-

عندما كنت أدرس في مدرسة العجم عام 1956، كان ابن عمتي يصطحبني معه لزيارة بيت يسكنه خمس من أصحابه الإيرانيين في منطقة النعيم قرب نادي اللؤلؤ، كان إثنان من الإيرانيين من أصول أرمنية وأحدهم كان يسمى آرميك منصوريان والآخر كان اسمه “ألبرت” والآخرون كانوا من المسلمين واسم أحدهم كان محمد كريمي وكان يعمل مدرساً في مدرسة العجم وكان مدرسنا في الصف السادس، والثاني كان اسمه “حسن” وقد خانتني الذاكرة في تذكر اسم الشخص الثالث، وجميعهم كانوا متواضعين وأصحاب أخلاق طيبة.

لقد تعلمت لعبة الشطرنج في هذا البيت من الإيرانيين، وأثارت إعجابي قطع الشطرنج التي كانت مصنوعة من عجين الطحين صنعها “حسن” الذي كان يسكن معهم في البيت. وكان لهؤلاء زوار بحرينين وإيرانيين من بينهم “حسن نظام” و ” علي مدان” الذين شاركا في تأسيس الجبهة في 15 فبراير 1955، ومعظم أحاديثهم كانت تدور حول السياسة. أحياناً كنا نزور علي مدان الذي كان يسكن مع شقيقه الأكبر “حسن” في غرفة صغيرة (نحو مترين مربع)، فوق قهوة “أحمد شاه” التي كانت تقع غرب سينما البحرين وشمال سينما بن هجرس، وكان علي مدان يعمل مساعداً لشقيقه حسن الذي كان أستاذ بنّاء ، وحسن نظام كان يزورهم بإستمرار، وبعبارة أخرى حسن نظام الذي كان صاحب شخصية قيادية قوية وكان قدوة في المباديء والأخلاق، كان يعتبر الأب الروحي لعلي مدان وكان يحظى باحترام الجميع ويعتقد بأنه العقل المدبر ومن بادر في التخطيط لتأسيس الجبهة.

في بداية عام 1957 انتقلوا الرفاق الإيرانيين من منطقة النعيم وسكنوا في بيت صغير غرب سوق الأربعاء في المنامة. كان البيت يقع في ممر ضيق (داعوس) وكان يتكوّن من غرفتين، واحدة للنوم والأخرى للاجتماعات. كانت غرفة الاجتماعات تحتوي على بعض الكراسي وطاولة واحدة صنعها حسن نظام من أنابيب الماء (گلفنايز) مع سطح خشبي. كان عدد الساكنين الإيرانيين في هذا البيت أربعة أفراد حيث نفي محمد كريمي إلى الكويت وعمل هناك في وظيفة معلم في المدرسة الثانوية في مدينة الأحمدي وكانت لي مراسلات معه لمدة طويلة.

في عام 1957 قامت الجبهة بترتيب رحلة إلى بستان الشيخ دعيج آل خليفة بمناسبة عيد النوروز من أجل تعرف الأعضاء على الضيوف المدعوين والإحتفال بهذه المناسبة الجميلة، وكان بين المحتفلون عرب وعجم، شيعة وسنة، وحتى المسيحيون، ومن بين الذين ألقوا الخطاب كان مواطن هندي شيوعي. في هذه الرحلة تعرّفت على “جاسم ديتو” الذي كان يصغرني بنحو ثلاث سنوات، وصرنا أصدقاء فيما بعد وكنا نقوم بزيارات متبادلة إلى الأهل بإستمرار. بعد انضمامي إلى الجبهة سافر جاسم ديتو إلى موسكو ودرس في جامعة “پاتريس لومومبا” وبعد عدّة سنوات عاد إلى البحرين بعد أن نال شهادة الدكتوراه في الطب العائلي.

دور إستخبارات الإستعمار البريطاني في البحرين :-

من المعروف أن أجهزة الأمن والإستخبارات في الدول الإستعمارية كانت تلعب الدور الأساس في مراقبة وقمع المناضلين والأحرار في الأحزاب والمنظمات الوطنية التي تكافح من أجل تحرير بلادها من نير الإستعمار والحصول على الإستقلال. أبان حكم الإستعمار البريطاني في البحرين كان لأجهزة الأمن والإستخبارات الدور الرئيس في مطاردة المناضلين من أعضاء الأحزاب والمنظمات الوطنية واليسارية.

جبهة التحرير الوطني البحرانية التي تأسست في 15 فبراير 1955 كانت مصدر خطورة وقلق للإستعمار البريطاني، لذا بذل أقصى جهده في إجهاض جبهة النحرير وملاحقة وقمع أعضائها بواسطة أجهزته الأمنية والإستخباراتية وزجهم في السجون وإجبارهم على الإعترافات تحت التعذيب الجسدي والنفسي الشديد. من ضمن أعضاء الجبهة البارزين كان المناضل الكبير علي مدان الذي كانت المخابرات البريطانية في البحرين تراقب تحركاته بإستمرار لأنه كان من الكوادر الحزبية البارزة والمهمة وكان مناضل صلب وقوي البأس وفي الوقت ذاته كان إنساناً بسيطاً ومتواضعاً ومحبوباً من الجميع.

لذا تم تعيين جاسوس خبير ومحنك من أصول بلوشية لمراقبته، وكان يلاحق علي مدان بواسطة دراجة نارية. وبحسب أقوال مدان أن في إحدى المرات قال له صبي القهوة التي كان مدان يتردد عليها، بأن الجاسوس المذكور ظهر صورة مدان من جيبه وقال لصبي القهوة ماذا تعرف عن هذا الشخص؟ بالإضافة إلى أسئلة أخرى، ولم يتوانى الجاسوس من تهديد صبي القهوة إذا أفشى بحديثهما لعلي مدان، لكن الصبي لم يبالي بتهديداته وخبّر مدان عن ما جرى بينه وبين الجاسوس.

بعد يوم من القبض على آرميك منصوريان مع من كانوا يسكنون معه، سمعت طرقات على باب بيتنا في المساء. عندما فتحت الباب رأيت علي مدان عند الباب، فأخبّرني عنما جرى لآرميك وأصدقائه وطلب مني مرافقته إلى البيت المهجور، وعندما وصلنا قرب البيت قال لي اذهب وتأكّد من عدم وجود أحد هناك ثم ارجع بسرعة وثم قال انتظرني بعيداً حتى أدخل البيت وأخرج الأوراق والكتب، لكنه عاد دون أن يحصل على شيء.

بعد إنفجارات مارس 1966 تم استبدال دراجة الجاسوس النارية بسيارة من أجل حمايته من أي اعتداء، حتى تورط في حادث مروري عام 1974 مما أدى إلى وفاة مواطن بحريني. بعدها انتشرت شائعات طرده من البحرين ويقال والعهدة على الراوي بأنه تعمد دهس المواطن البحريني وذلك على أثر خلاف دار بينهما.

وقبل ذلك الحادث بنحو سنتين وقع حادث مشابه في مكان آخر في أحد أيام الجمعة من عام 1972 وقع حادث مأساوي ومميت وكان الضحية هذه المرة أحد الرفاق الذي كان برفقة أصحابه يتنزهون في منطقة الصخير. كان رفيقنا شاب وسيم وصاحب عيون عسلية وكان يحب المغامرات، و الفتيات تتسابقن لإقامة علاقة حب معه. في ذلك اليوم الذي كان الشباب يتسابقون بالسيارات والدراجات النارية، ترك سيارته وركب دراجة نارية لأحد الأشخاص وقام بالسياقة والاستعراض، حينها شاهده أحد المنافسين الذي كان يتربص له برفقة صديقه، فاندفع نحوه بالسيارة وصدمه. ومن شدة الصدمة انفصلت إحدى يديه وفارق الحياة في موقع الحادث. لقد انتشرت شائعات آنذاك بأن الحادث كان مدبّر والمتورط في الحادث كان شخص يلقب ﺒ “الكوباي”.

الرجل الذي فقد ظله :-

في مقابلة مع قناة الجزيرة (9 أبريل 2009) قال بأنه ولد في البحرين، وهذا غير صحيح لأنه مولود في إيران وجاء إلى البحرين من بندر طاهري في نهاية الأربعينيات مع والده الذي كان يعمل في السفن التجارية لنقل المنتجات والخضار من إيران. ثم سكنوا في بيتنا وعمل في مهنة صب القهوة “صبي” في “قهوة علي” بالقرب من سوق المقاصيص في المنامة.

بعدما توفى والدي في 22 نوفمبر 1971، جاء إلى منزلنا بعد عدة أيام من الوفاة قادماً من سويسرا. عندما قمت بنقله إلى الفندق الذي كان يسكن فيه مع زوجته السويسرية وابنه، وشاهد سيارتي العتيقة، قال لي بأنه سوف يرسل لي تذكرة سفر من سويسرا لأزوره وأكون ضيفاً عنده وسيقوم بشراء سيارة أميركية لي وسيبعثها إلى البحرين لأتخلص من سيارتي العتيقة وأمتلك سيارة أميركية فارهة .

دارت الأيام ولم نسمع شيء عنه، لكن في أحد الأيام تفاجئنا بزيارته إلى منزلنا وبدلاً من إعطائي تذكرة سفر وإهدائي سيارة أميركية، أتى يطالب بحفنة من الروبيات وهي سهم والدته من ورثة منزل الوالد الذي كنا نسكن فيه. علما بأنه كان أثناءها يمتلك شركة استثمارات في سويسرا بالشراكة مع أحد السويسريين!!!! عندما شرحت له بأن والدي الذي قام بشراء المنزل بالشراكة مع أخيه المتوفى، ودفع سهم أخيه الثاني قبل تحويل ملكية المنزل باسمه، ولكن عمتي رفضت أن تأخذ سهمها وقالت بأنها عندما كانت تمرض تحصل على رعاية وعناية والدتي ولم تذهب إلى المستشفى للعلاج. غضب مني وتلاسن معي وتركنا ورجع إلى سويسرا.

بعد سنين طوال عاد إلى البحرين وعمل في البنك بوظيفة مدير تنفيذي ومن ثم سٌجن بتهمة الاختلاس وأطلق سراحه بعد عدة سنوات، أثناء ذلك قابلناه صدفة عند زيارتنا لوالدته المريضة في المستشفى. حينها عادت العلاقات بيننا وكنا نقوم بزيارات متبادلة لعدة أشهر، قبل أن نتفاجئ بأمر الاستدعاء إلى قسم التحقيقات في العدلية من قبل شخصين طرقا بابنا مساءاً . في الساعة السابعة صباحاً من اليوم التالي ذهبنا إلى قسم التحقيقات وقاموا بالتحقيق معنا عن هدف وطبيعة علاقاتنا معه حتى الساعة الرابعة مساءً وثم أخلوا سبيلنا. وكانت هذه نهاية علاقتنا معه.

بعد أشهر قام بنقل والدته المريضة من البحرين إلى مدينة شيراز وأسكنها في منزله الشخصي الذي كان يمتلكه. ثم بعد مدة قام بنقل والدته من شيراز إلى بندر طاهري ليبيع البيت من أجل الحصول على ملايين التوامين من سعر البيت. لقد سألت أحد أقربائي عن بعض صفاته، رد قائلاً لا أعلم كثيراً لكن أستطيع أن أؤكد بأنه مخادع وكذاب. كان إنساناً ناجحاً في العمل والمعاملات التجارية لكن حياته الزوجية كانت فاشلة، حيث فشل في زواجه الأول من ابنة عمه في إيران وقام بتطليقها بعد عدة أشهر، وطلّق زوجته السويسرية بسبب الخيانة الزوجية، هذا ما قاله لي شخصياً بأنها كانت على علاقة غير شرعية مع مدرّب السياقة الذي كان يعلمها السياقة، وزوجته الثالثة تطلقت منه عندما كان في السجن.

حسب قرابتي وعلاقتي معه منذ أيام الطفولة حتى بعد إطلاق سراحه من السجن ومغادرته البحرين، وجدته إنسان ذكي ومجتهد ومغامر لكنه للأسف صاحب شخصية غامضة وخبيثة وممكن أن يخون أصحابه من أجل مصالحه الشخصية. هنا أقدم لكم شهادتين من شخصين مختلفين كانا مسجونين معه، وهما الفقيد مجيد مرهون الذي زارني في المنزل بعد إطلاق سراحه من السجن، قال لي بأن ابن عمتك كان يتآمر مع مسؤولي السجن ضد المساجين ويخلق لهم المشاكل، ونفس الحكاية سمعتها من أحد السجناء السياسيين المخضرمين الذي كان سجين معه، هذا بالإضافة إلى أقوال أحد مؤسسي جبهة التحرير، الذي قال لي بأن معظم الرفاق القياديين في الجبهة يظنون بأنه عميل للسي آي إي.

في حقيقة الأمر وبعدما كشف الرداء عن هذه الشخصية الغامضة يتضح لنا أنه مارس الخديعة بتفنن، لكن البعض قد يحسن الظن ويبدي حسن النية تجاه هذه الشخصية. حكاية صاحب هذه الشخصية الغامضة الذي صال وجال حول العالم وتقلد المناصب الإدارية العليا في الشركات والبنوك حتى دخوله السجن، تشبه حكاية الرجل الذي فقد ظله.

مجيد مرهون بين العبقرية والجنون :-

بدأت صداقتي مع مجيد مرهون في أوائل الستينيات عندما كنا نعمل في شركة نفط البحرين (بابكو)، وكان مجيد يدرس في مدرسة بابكو القسم المهني مبتعثاً من المدارس الحكومية، فيما أنا كنت أدرس في القسم التجاري مبتعثاً من دائرة ( ( IBM في بابكو، وكان أحد الرؤساء في هذه الدائرة بريطاني الجنسية ويتجسس على الموظفين بمساعدة بعض من زملائنا وعندما كنت أتدرّب على سياقة السيارة الثقيلة في 1964 قال لي مستهزءاً بأن هدفك من سياقة السيارة الثقيلة هو توصيل المؤن للثوار، لكن في المقابل كان لدينا تقني ألماني ظريف يقوم بصيانة وإصلاح الحواسيب، سألنا مرّة عن معنى (آي بي إم) فأجبنا بأنها تعني “إنتر ناشونال بزنس ماشين”، ضحك وقال لا، تعني “إن شاء الله بكرة ممكن”.

بجانب كتبه الدراسية كان مجيد يضع كتيّب عن رواية ما، في جيب بنطاله وفي جيب آخر آلة الهرمونيكا، وكان يعزف لنا ألحان موسيقية أثناء فترة الراحة أو بعد العودة من مطعم الشركة. توطدت الصداقة بيننا وكنا نقوم بزيارات متبادلة إلى منازلنا والأماكن الترفيهية. أحياناً كنا نزور دكان والده في فريج الفاضل ونأكل السمبوسة الذي كان يصنعها والده.

في عام 1961 أصبحنا أعضاء في جبهة التحرير كلّ على حدة ودون علمنا عن بعض. بعد أحداث مارس 1965 وفصلي عن العمل بسبب اشتراكي في الإضرابات العمالية ومغادرتي إلى دولة قطر خوفاً من الإعتقال، لم أسمع شيء عن مجيد حتى عودتي إلى البحرين بعد نحو عشرة أشهر وعملي في شركة أميركية متخصصة بالمسح الزلزالي للتنقيب عن النفط بواسطة الباخرة في الخليج لحساب إيران وبعد ثلاثة أشهر من عودتي إلى البحرين وفصلي عن العمل، سمعت خبر إنفجار سيارتين في البحرين.

في أحد الليالي عندما كنت جالساً في غرفتي سمعت بطرقات الباب، وحين فتحت الباب شاهدت مجيد مع رفيق آخر أتوا من أجل زيارتي بعد أن فرقتنا أحداث انتفاضة مارس. بعد العناق دخلنا المنزل و بدأنا بالحديث واحتساء الخمر وثم واصلنا الحوار عن أحداث مارس وتداعياتها. كان مجيد متحمساً وتحدّث كثيراً عن الرفاق الذين خذلوه ولم يقدّروا الأعمال الخطيرة الذي قام بها. نظرت إلى رفيقي وشاهدته يطأطيء برأسه متأثراً بأقوال مجيد، حينها خطر في بالي بأن مجيد قد يكون هو من نفذ إحدى هذه الانفجارات.

كان مجيد شخص مغامر ولا يبالي بالقيام بأي عمل استثنائي وخطير، حيث تحدث أحد زملائي الذي كان يسكن مع مجيد في حي واحد، بأنه في أحد الليالي شاهده يترنح من السكر وهو يوزع المناشير في الأزقة والأوراق تتساقط منه.

دارت الأيام وانتشر خبر إعتقال مجيد بتهمة القيام بتفجير إحدى السيارتان التابعتان للقسم الخاص في وزارة الداخلية. حسب ما كتبه المعتمد البريطاني أنتوني ديريك بارسونز في التقرير السري بتاريخ 12 مارس 1966 فيما بين الساعة السابعة والثامنة صباحاً وبينما كان المسؤول البريطاني عن جهاز الأمن السياسي في البحرين بوب لانغديل ومساعده الأردني أحمد محسن يهمان، كلً على حدة، بركوب سيارتيهما للذهاب إلى مقر عملهما في القلعة انفجرت السيارتان. وأصيب الضابطان إصابات خطيرة. فقد بوب ساقه كما أصيب بجروح مركبة في ساقه الأخرى وذراعه ويده. أما محسن فقد أصيب في عموده الفقري علاوة على إصابات أخرى. كانت إحدى الإشاعات تقول وبينما كان مجيد يتحدث مع أحد الأشخاص في المقهى وكان تحت تأثير الخمر قال له بأنه من قام بعملية الإنفجار.

من المفارقات أننا توظفنا في بابكو عام 1959 وإلتحقنا بجبهة التحرير سنة 1961 واستمرت علاقاتنا الوطيدة حتى دخول مجيد السجن في 1968 وإطلاق سراحه في 1990، ومن ثم قام بإهدائي كتابه “الموسيقى الشعبية في الخليج العربي” الذي ألفه في 1993، وإلتقينا بعد مدة عندما زارني في منزلي مع زوجته أم رضا، و كان آخر لقاء لي بمجيد عندما قمت بزيارته في المستشفى قبل أن يفارق الحياة في 23 فبراير 2010.

بعض من الكتاب والسياسيين شبّهوا مجيد مرهون بالمناضل والزعيم الإفريقي، وسمّوه “نلسون منديلا” البحرين لأنه سجن لمدة 22 سنة، لكنني أخالفهم الرأي وأظن بأن مجيد كان خليط من العبقرية والجنون مثل شخصية الرسام الإسباني الشهير سلفادور دالي وزوربا اليوناني الذي قام الممثل العالمي الكبير أنتوني كوين بتجسيد دوره ببراعة في فيلم زوربا، وهنا أذكركم بأقوال زوربا الفلسفية “متى ما كنت انساناً أحتاج إلى الجنون، الإنسان بحاجة إلى قليل من الجنون، تلك هي الطامة الكبرى”

مجيد مرهون وقدراته الخارقة في خلق الأعمال الفنية الكبيرة والجميلة، وحينما يبدأ تجربته الموسيقية الأولى على الآلة البسيطة “الهرمونيكا” ويتطور إلى عزف الألحان الجميلة على آلة الساكسفون الكبيرة وثم يقوم بتأليف مقطوعة موسيقية جميلة بعنوان “الحنين” (نوستالوجيا) في السجن ويستطيع أن يرسلها إلى معهد للموسيقى في السويد، وثم يقوم بتأليف قاموس الموسيقى الحديث وكتاب عن الموسيقى الشعبية في الخليج العربي، ولكن مع كل ما ذكرتها وحسب علاقتي معه طوال السنين الماضية وشهادة أحد زملائه في فرقة الأنوار الموسيقية كان مجيد صاحب أطوار غريبة وتصرفات جنونية، ومن وجهة نظري المتواضعة أعتقد بأن مجيد مرهون ليس نلسون منديلا بل زوربا البحرين.

المناضل الوطني الصلب محمد كشتي :-

بجانب تربية الوالدين إلى التعليم المدرسي، فإن المجتمع مدرسة كبرى يتعلّم الإنسان منها الدروس والتجارب عن الحياة والمحبة والصداقة مع الآخرين واحترام آرائهم وعقائدهم و الحب والولاء لوطنه. بعد الأب الروحي حسن نظام والمعلّم الكبير علي مدان والإنسان المتواضع والحليم آرميك منصوريان، يأتي المناضل محمد كشتي الذي علّمني الجرأة والشهامة ونكران الذات عندما أصبح الكادر والرابط لخليتنا في جبهة التحرير عام 1961.

جدير بالذكر أن كشتي كان مناضل صلب وملتزم ومؤمن بقضيته رافضاً جميع أشكال الإستسلام. في أحد الاجتماعات وعندما كان أحد أعضاء الخلية غائباً، شاهدت كشتي الذي كان في حالة غضب شديد، سلّمني رسالة مطوّلة وقال تفضّل وإقرأ. كان محتوى الرسالة إعترافات رفيقنا الغائب الذي كان يقر بإنحرافه وشذوذه الجنسي ومعاشرة الأولاد. سألني كشتي هل عرفت من هو صاحب الرسالة؟ قلت نعم من أسلوب الكتابة أظن بأنه الرفيق (….)، فرد بالأسى والغضب وقال نعم إن ظنك في محله. وللأسف الشديد مع أن هذا الرفيق أصبح كادراً لكنه لم يقوم بإصلاح نفسه أخلاقياً واستمر على هذا الحال لأمد غير معروف.

كانت العلاقات الودية بين بعض الرفاق والفتيات آنذاك موجودة وقد كان البعض يقيم علاقات غير شرعية مع النساء أو العاهرات، بينما معاشرة الأولاد كانت تعتبر من الأفعال القبيحة ولا تمت بأخلاقيات المناضلين بصلة، ولكن عندما كنا نسمع عن بعض الأشخاص المعروفين لدينا دخول بيوت الهنود والاعتداء على عائلاتهم وإغتصاب زوجاتهم، كان البعض يعتبرها شطارة ورجولة وفي حقيقة الأمر كانت تلك الأفعال شنيعة وإجرامية. ولكن في إحدى المرّات إستطاعت العائلات القبض عليهم وضربهم ضرباً مبرحاً حتى انفلتوا المعتدين الأشرار من أيديهم بأعجوبة ولاذوا بالفرار.

في نهاية عام 1961 ألقي القبض على محمد كشتي مع أحد الرفاق وبعد نحو ثلاثة أشهر من الإعتقال تم نفيهم إلى إيران. بعد فترة غادر إيران إلى قطر ومن ثم سافر إلى الإتحاد السوفيتي للدراسة وبعد نحو ست سنوات دراسة في مجال تخصص هندسة البترول أصبح مهندس بترول. ثم غادر الإتحاد السوفيتي إلى الكويت للعمل وسكن مع والده الذي كان يعمل في الكويت. وبعد فشله الحصول على وظيفة غادر الكويت واتجه إلى إمارة دبي وتوظف في أحد المصارف، وبعد فترة ترك وظيفته وأصبح سائق سيارة أجرة.

عندما أصدر أمير البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة في فبراير 2001 قرار العفو عن المعتقلين السياسيين والسماح بعودة المنفيين إلى البحرينيين، بدأ محمد كشتي بترتيب أوراقه من أجل العودة إلى البحرين مع زوجته وأولاده ولكنه توفى في نفس السنة بعد معاناة من مرض السرطان ولم يتحقق له حلم العودة إلى البحرين. عندما قابلت كشتي ذلك الانسان المتواضع والجريء في دبي قبل وفاته بعدّة سنوات، قال لي حينما كان يعمل في أحد البنوك شاهد الجاسوس المعروف الذي كان يلاحقهم في البحرين، وبدلاً من الوقوف في الطابور وقف أمام الكونتر الذي كان كشتي جالساً فيه، فقام بطرده من أمام الكونتر وأمره بالوقوف في الطابور خلف الزبائن. كما قابل كشتي بطل الشطرنج الروسي كاسباروف حين زار دبي للإشتراك في المسابقة الدولية للشطرنج، وأثناء الحديث معه لاحظ أن كاسباروف يتكلم بالأنانية والغرور، فقام بإنتقاده وقال له أنك شخص متكبّر.

لقد تحدثت عن آرميك منصوريان في الجزء الأول من مذكراتي، ولن اتطرق لحياة حسن نظام الذي أغتيل على يد “السافاك” في طهران عام 1959، وعلي مدان الذي توفى في بلجيكا في 27 يناير 1995، لأن سيرتهما ذكرت في موقع غوغل الإلكتروني. ولكنني سأسرد حادثة فريدة تعود إلى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، تتحدث عن جرأة وشجاعة علي مدان وهي عندما كنت أنا وإبن عمتي وعلي مدان وبعض الأصدقاء وشخص إيراني من مدينة بوشهر كان يدعي بأنه عضو من أعضاء حزب توده، وبينما نحن نتجوّل في شارع باب البحرين بالمنامة، بدأ النقاش حول الكاتب مكسيم غوركي ورواياته، قال ذلك الشخص بأن مكسيم غوركي كان السبب في تدهور حياته وإبتعاده عن وطنه إيران، ثم تلاسن مع علي وتحدث بألفاظ نابية وهنا بدأ الشجار والإشتباك بالآيادي بينهما وكان المضحك طول قامة الرجل و بنيته القوية مقارنة بقامة علي القصيرة وبنيته الضعيفة، وفجأة رأينا علي إندفع بقوة نحوه ونطح برأسه في بطن ذلك الشخص الطويل والقوي، حينها سارع الرفاق إلى فك الإشتباك بينهم وقاموا بتهدئتهم.

ذكريات من فريج العوضية :-

عندما كنت أدرس في مدرسة العجم في بداية الخمسينيات من القرن الماضي كان كثير من العجم السنة يدرسون معنا ومعظمهم يسكنون في فريج العوضية بالمنامة، وفي المدرسة كان الطلاب يدرسون مادة الدين على يد أستاذان أحدهما سنّي والآخر شيعي ، وحينما كانت حصة المعلم الشيعي طلب من أحد تلاميذ السنة قراءة شرع الشيعة فرفض التلميذ قائلاً : معلم السنة منعنا من قراءة شرع الشيعة. في نهاية الخمسينيات حينما تعرفت على بعض أعضاء جبهة التحرير وكنت أصاحبهم في جولاتهم إلى فريج العوضية كنت أرى بعض زملاء الدراسة هناك الذين كانوا يرحبون بنا ويستقبلونا عند محل تجمعهم بالقرب من دكان قربان. بعد فترة قصيرة توطدت العلاقات بيننا ومن ثم تحولت إلى صداقات وزيارات متبادلة إلى أحيائنا.

بعد ثورة مصدّق وتأميم النفط في إيران وثورة ضباط الأحرار في مصر في يوليو 1952، كان لثورة الشعب العراقي بقيادة عبد الكريم قاسم في 14 تموز 1958 تأثيراً إيجابياً على نفوس الوطنيين والأحرار ونقطة تحوّل سياسي في المنطقة العربية ومن الطبيعي كوننا شباب متعطشين للحرية والعدالة والديمقراطية ، تأثرنا بهذه الثورات واستفدنا من دروسها كثيرا في مواصلة النضال والعمل السياسي. لكن مع الأسف بعض الشباب في المناطق المجاورة لفريج العوضية المتأثرين بالأفكار الشوفيونية والقومية العربية نتيجة المد القومي العربي والناصري بعد الإطاحة بعبد الكريم قاسم في العراق بواسطة البعثيين والتيار القومي العراقي، كانوا يكنُّون لنا نحن اليساريين الكراهية والعداوة. في أحد الأيام من عام 1964 قامت شلة من القوميين المتعصبين بالإعتداء بآلات حادة على شباب فريج العوضية وقامت بجرح عدد منهم بجروح بالغة بحيث نقلوا إلى مستشفى النعيم وأبقوا هناك تحت المعالجة لعدة أيام وبعدها ألقي القبض على بعض المعتدين وتم سجنهم. ولكن في النهاية انتصر الحق على الباطل واثبتت الأيام بأن اليساريين والشيوعيين كانوا على حق وكان لهم التأثير الإيجابي على أفكارهم القومية، فتحوّل بعضهم إلى التيار اليساري بعد تلك الحادثة المؤسفة والأليمة.

وفي المقابل كانت لنا ذكريات جميلة من فريج العوضية، فلا تفارقني كلما تذكرت العوضية وأزقتها الشامخة صورة أحد شباب الفريج الذي كان صاحب قامة طويلة وعضلات مفتولة و يقوم بحركات بهلوانية وكان معحباً بمغني الجاز الإيراني الشهير الفنان ويگن وكثيراً ما يتحفنا بغناء أغنيات إيرانية. وفي عام 1965 هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية ونال الجنسية الأميركية، وعندما رفض الذهاب إلى فيتنام للمشاركة في الحرب سجن نحو سنتين.

الأيام الجميلة في منطقة المحرّق :-

خلال عملي في شركة بي پي ومن ثم بافكو الذي دام أكثر من 35 سنة، وحسب نوعية الوظيفة والانتقال بين مستودع عراد ومستودع المطار، والعمل في نظام الورديات مع وجود أكثر من عشرة موظفين في كل وردية، من الطبيعي أن تنشأ علاقات صداقة بين موظفين ذو أطباع وآراء متقاربة. وحديث الذكريات عن المحرق طويل وشيق لما لهذه المدينة من عراقة، ومن هذه الذكريات قصة العامل البحريني الأمي الذكي الطيب وقد كان ذو أصول عمانية و يسكن مع عائلته في بيت صغير في منطقة بيوت العمال بالمحرق، وبجانب عمله كان يهوي صيد السمك ويملك قارب صغير وفي أيام الفراغ والعطل كان يخرج إلى البحر للصيد ثم يبيع السمك في السوق. بعد يوم واحد من هبوط رواد الفضاء الأميركيين على القمر، كنت أنا مع ذلك العامل يومها مشغولين في إنجاز بعض الأعمال في فترة المساء في مستودع عراد، وعندما شاهدنا القمر يسطع في السماء سألني : هل تصدّق بأن الأميركان نزلوا على القمر؟، قلت : نعم أنا أصدّق لأنني أؤمن بالعلم، لكنه ردّ قائلاً أنا لم أصدّق. بعد عدة سنوات انتشر خبر عدم حقيقة نزول الأميركان على سطح القمر؟!.

كما كان يوجد معنا عامل في مستودع عراد الذي كان كثير النقاش وأحياناً نشاهده مشغول في قراءة كتاب. في أحد المرات قال لي العامل العماني الأمّي والبسيط بأن هذا الشخص الذي يدّعي بأنه مثقف ويناقش كثيراً لا يؤدي واجبه بالشكل المطلوب وعند شدّة العمل يتهرّب ويختفي. صاحبنا المثقف والتقدّمي الذي تحدّث عنه ذلك الإنسان البسيط في الماضي، شاهدته بعد سنين يتمخطر كالطاووس في مبنى إحدى الجرائد المحلية وفي يده كتاب، بعد التحية والاستفسار عن الكتاب قال لي بأنه يحاول أن ينشر كتابه بواسطة هذه المؤسسة الإعلامية.

بعد انتقالنا من المنامة إلى مدينة الحد في بداية السبعينيات والعيش بين الجيران الطيبين لأكثر من ثلاث سنوات، إنتقلنا إلى مدينة المحرق وسكنا في شقق الإسكان قرب السوق المركزي. بالإضافة إلى العلاقات الطيبة مع الجيران كانت لي صداقات قوية مع بعض زملائي الطيبين في العمل الذي كان معظمهم من منطقة المحرق. إضافة علاقات صداقة قوية بكل من عائلة “خليفة” الكريمة في قرية الدير وعائلة جمعة الكريمة في مدينة المحرق، وكنا نقوم بتصليح سياراتنا أحياناً في فريج استيشن القديم وأوقات أخرى قرب منازل أصدقائنا في منطقة بيوت العمال. حلقة العلاقات مع زملاء العمل كانت تتقلّص حال أحدهم على التقاعد، لكنني بقيت على اتصال بالبعض منهم حتى كتابة هذه السطور، ولكن مع الأسف الشديد ظروفي الصحية تمنعني من زيارتهم والإلتقاء بهم إلاّ في حالات إستثنائية.

لقد عشت نحو أربعين عاماً في منطقة المحرق ومعظم هذه السنين مرت بحلاوتها ومرارتها لكنها كانت في الغالب حلوة ، حيث كانت تربط أهل المحرق علاقات ودّية وأخوية وتجمعهم صلات القرابة والصداقة والعلاقات المثالية. ولكن للأسف الشديد بعض العناصر المتشددة والمأجورة من الشيعة والسنة والتي تعمل حسب أجندات أجنبية من أجل زرع الفتنة المذهبية والطائفية وجر البحرين إلى كارثة الحرب الأهلية.

يأسف المرء عندما يشاهد الحال التي وصلت إليها البلاد من تفرقة وعنصرية وطائفية وعبارات السب والشتم التي يتغنى بها المغرضون والعازفون على أوتار الطائفية وأصحاب الأقلام المأجورة، لذا لابد من وقفة من شرفاء المحرق ومثقفي البحرين من أجل وقف تيار الفرقة والتعصب الطائفي وشن حملة ضد كل من أهان طائفتي السنة والشيعة فلنقلها لا للكلمات الطائفية التي يتداولها زارعوا الفتنة كالنواصب والروافض والمجوس. والمسؤولية اليوم تقع على كل مثقف، وكل رجل دين مصلح وكل معلم غيور وكل مسؤول وطني محب لوطنه وكل مواطن شريف على هذه الأرض الطيبة من أجل رأب الصدع وانتشال البحرين من الأزمة الراهنة والعودة إلى ذلك الزمان الجميل الذي كانت البحرين بسنتها وشيعتها رمزاً للأخوة والصداقة الحقيقية والتسامح بين الأديان والمذاهب.

أستودعكم على أمل اللقاء في أحضان وطن بلا طائفية ….

عادل محمد

مملكة البحرين

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.