رسالة من كردي علماني الى خليفة داعش / جرجيس كوليزادة

نعقييبا على رسالتكم الصوتية ووصفكم لشعبنا الكردي بالكفر والعلمانية وعديم الايمان، نقول نحن قوم عودتنا التقاليد الاخلاقية ان نحترم اعدائنا وان نؤمن ان العداء المرتبط بالقتال لا تعني الحقد والبغضاء والكراهية، فساحات الميدان وخنادقها لها اصولها وقواعدها، والعداوة مهما طالت بين طرفين اخرها الجلوس مع البعض للاتفاق على السلام. ونعتقد ان لكل بداية نهاية، وان لكل حاكم زوال وان لكل مقال ختام، ونؤمن ان السلام والتعايش والمحبة تحت قبة الانسانية من ارقى الغايات والامنيات، ونؤمن ايمانا لا ريب فيه ان الدين لله، وان التقاليد والاعراف والشرائع والقوانين والدساتير من صنع الانسان، وان الحياة حق للجميع، وان لا فرق بين عربي وعجمي الا بالتقوى، وان التقوى هو العمل الصالح النافع المفيد الذي يقدم عليه كل انسان، ومن عمل بلا ضرر وبلا شرر انسان نافع لنفسه ولمجتمعه ولربه، وخير الناس من نفع الناس، وخير جمع من احتضن الجميع بالخير والامان بجميع اجناسهم واعراقهم ومذاهبهم واديانهم والوانهم وطوائفهم واقلياتهم وثقافاتهم وهوياتهم وخصوصياتهم.
والكرد خير من يتعايش فيه جمعا متنوعا من القوميات والاديان السماوية والارضية، وخير من جمع الجيرة بين المسلم السني والمسلم الشيعي والمسيحي والايزيدي والعلماني، وكلهم في الحارة سواء، وكلهم في الافراح والمضرات سواسية وعلى صلات اجتماعية وانسانية وثيقة بينهم ولا فرق بين ابيض واسود بينهم، والكل ساعون للسلام والمحبة والتعايش.
ومن جميل صفات الكردي التسامح والالفة والكرم، وكم من عربي واجنبي وتركي وفارسي كتبوا في هذا، ومن خصاله ايضا حب الحرية والحياة الحرة والاعتزاز بالنفس والكرامة، وحب البهجة والمرح والفرح والطبيعة الخلابة، وعشقهم للربيع ولعيد نوروز كرنفال للحب والحياة الجميلة.
ومن ميزات الكرد حبهم للدين وللانسانية وللجامع وللكنيسة واحترامهم الشديد للاماكن المقدسة ودور العبادة، وهذا الحب لا شائبة فيه بايمان صاف وعقيدة مؤمنة لا سواد فيها وما فيها الا نبع للخير والعمل الصالح بروح المحبة والتعايش المشترك في الحياة.
اجل هذا هو الكردي ان كان مسلما او مسحيل او ايزيديا او علمانيا، يحب ربه ان كان الله جل جلاله او يسوع المريم اوغيره بايمان لا غبار عليه، ويحب كل انسان ان كان كرديا او عربيا او اعجميا وبنية صافية لا شك فيها.
اجل هذا هو الكردي المؤمن الذي يرتاد اماكن العبادة بحب ونية نبيلة وبأغلبية ساحقة تملأ الجوامع ايام الجمع وتملأ الكنائس ايام الاحد وتملأ غيرها وغيرها بقلوب خاشعة لرب العالمين وبنيات خالية من اي شائبة.
أجل هذا هو الكردي المؤمن والعلماني المكون للشعب الكردستاني، الشعب الذي احتضن مليونين ونصف من اخوانهم العراقيين والسوريين ومن اجناس اخرى، وهو اعلى رقم لاستقبال اللاجئين حسب بيانات الامم المتحدة، وهو الذي وفر القوت والكساء والمبيت والدفء والنور لهم من قوته ومن حاجاته وبتواضع قل نظيره.
أجل هذا هو الكردي العلماني الذي احتضن اخوانكم من بني العرب وبالملايين ومن بني مذهبكم، وما من دولة ولا مجتمع في العالمين العربي والاسلامي مد يده او فتح بابه او سمح حدوده لاستقبال هؤلاء اللاجئين والنازحين من بني جلدتكم، وبل على العكس سدت الابواب والمنافذ والمعابر الحدودية بوجوههم وبوجوه اطفالهم ونسائهم وشيوحهم ومرضاهم لكي لا يستقبل اي احد منهم، وكأن الانسانية خالية من قلوبهم وكأن الرحمة الاسلامية مفقودة من صدورهم، وكما قيل عنهم فانهم مسلمون ولكن بالاسم فقط وليس بالقلب.
الكرد العلمانيون كما تصفهم قعلوا هذا ايمانا منهم بالانسانية وبرب العالمين، ويفعلون هذا من منطلق قلويهم الكريمة وصدورهم الحنينة وقربانا منهم لاجل خالق الكون والمخلوقات والكائنات ولاجل الرسل والانبياء والصالحين من عباد رب العرش العظيم ولاجل خير البشرية، ولاجل الكرم والسخاء والاخلاق الجميلة والنبيلة للانسان الكردي.
اقول هذا ليس من باب الفخر والتباهي، واعوذ بالله، وانما اقوله لان مسار الكرد عبر الزمان مليء بالخلق الاصيل وبممارسات انسانية نبيلة تقطع دابر الشك والظن عن اخلاقيات الكرد، وما يفعلونه اليوم ليس بغريب عنهم، وهو امتداد لماضيهم وتاريخهم.
وزمن وسنة الانتفاضة الشاملة ضد الحكم البائد اكبر شاهد على ذلك، فقد استقبل الكرد مئات الالوف من الضباط والجنود من اخواننا بالجيش العراقي في الجوامع والكنائس وبيوتهم ومستشفياتهم ودواوينهم ومضايفهم، وفي زمن كان للانتقام رائحة وفعل البارود، ولكن الكرد الذي غدره وظلمه النظام السابق بجحافله العسكرية لم يلجأ الى الانتقام بل لجأ قلبا وروحا الى العفو عند المقدرة فقدموا بدلا من ذلك قلوبهم فراشا لهم وفتحوا صدورهم مأوا لهم لاستقبالهم واحتضانهم مع توفير حاجات المأكل والملبس والدواء لهم، اجل كل هذا والواقع في مكان اخر خارج محافظات كردستان كان عكس ما يحصل لدى الكرد، والكثير الكثير من الجنود والضباط لديهم مشاهدات وذكريات حية جميلة عن ما فعله الكرد لهم في تلك الايام العصيبة.
وفي يومها ايضا قدم الكرد مثالا نبيلا واصيلا ورفيع المقام، فاقدموا على العفو والتسامح والوئام الانساني بين البيشمركة وبين من كان من النظام البائد او محسوبا عليه، وبين الشعب وبين فئات وقفوا مع النظام واضروا بالكرد لسنوات طوال، وكان هذا الفعل الانساني والعمل الاخلاقي من اكبر وارقى المكاسب التي اقدم عليه الشعب الكردستاني لتحقيق مصالحة وطنية شاملة بين جميع مكوناته وفئاته، وهذا ما تحقق بفعل حكمة العقلاء والنفس الطيبة للانسان الكردي الامارة بالخير والفعل النبيل.
اجل اكتب هذا اليكم وانتم تدركون تماما كم للكرد من خصال جميلة وحميدة، ولكونك عراقيا فلابد قد صادقت كرديا ولابد قد تعاملت مع بعض منهم في طفولتك وشبابك وحياتك الماضية، وبالتأكيد لم تجد منهم فردا لا يؤمن برب الخلق ولا يتصف بسلوك جميل، وبالتأكيد لم تجد منهم احد يضمر الحقد او الكراهية او البغض او الشر، فكل ما وجدت فيهم من مسليمن ومسيحين وايزيدين ايمان بالله رب العالمين وبالاخلاق الحميدة للانسان.
واما خصال الشجاعة والاقدام والتضحية فهذه الصفات العالية مشهودة للكرد وهي ليست وليدة اليوم بل من تاريخ قديم، واقربهم اليك والى الجميع صلاح الدين الايوبي الذي انقذ الامة الاسلامية من حرب ضروس ومن نهاية كاارثية كادت ان تلحق بكل مسلم، واخرين خدموا الاسلام على مر القرون وخاصة في زمن الدولة العثمانية، وغيرهم بالعشرات والمئات خدموا العراق ومصر وسوريا وتركيا وقدموا خدمات جليلة لشعوب المنطقة.
والشجاعة الكردية يتسم بها كل من الرجل والمرأة، الشاب والشابة، الطفل والطفلة، وهي سليل اجوال من قدم التاريخ تواصلت انتقالها بين الاجيال حتى وصلت الى ما هي عليها الان، والبيشمركة في اقليم كردستان خير من مثلها عبر نصف قرن من الزمان، وشرفان روزئاوا في كردستان سوريا قدموا نموذجا نادرا للشجاعة الخارقة في كوباني، وكريلا الشعب الكردي في تركيا سطروا ملاحم غديدة من البطولة امام جيش يتعامل بعقلية بعيدة عن مراعاة الحقوق والقواعد العسكرية المهنية في حالات الحروب والاشتبكات.
والجميل الجميل في الكرد تاريخيا انهم لم يكونوا امة ولا شعبا معتديا ولا غازيا على مر العصور والقرون، والموقع الجغرافي والتضاريس الجبلية والظروف المعيشية والحياتية التي توفرت في بيئتهم وطبيعتهم جعلتهم مسالمين ومتسامحين واصحاب نخوة وكرم ووفاء قل نظيره، وهذا ما جعل من الكردي مخلصا في عمله وصادقا في نياته، وكم من عرب وترك وعجم اعتمدوا عليهم لصدقهم ووفائهم واخلاصهم، وان كانو في العراق او تركيا او سوريا او ايران.
لهذا فان وصفك لنا بالعلمانية والكفر وعديم الايمان ليس في مكانه ولا في محله، ولكونك عراقيا فانك بالتأكيد تدرك ان هذه الكلمة ليست من قاموس الكرد ولا من ادبياتهم، فوصفة “حودى مةزن” الرب العظيم مرادف لاسماء الله الحسنى في ايقاعها ومعناها الكبير، وان كانت العلمانية التي تقصد بها عديم الايمان فاذكر كلمة طيبة ذكرها احد الكتاب العرب خلال دعوته الى كردستان قيل سنوات حيث قال ” سافرت الى الكثير من البلدان العربية والاسلامية، فلم اجد شعبا متدينا معتدلا مثل الشعب الكردي، ولم اجد منطثة نظيفة مثل اقليم كردستان، ولم اجد قوما مضيافا ومتسامحا مثل قوم صلاح الدين” وكثيرا ما سمعت بنفس هذا المعنى كلاما من اخواني العراقيين في البصرة والنجف والرمادي وبغداد والموصل وتكريت خلال اسفاري وتنقلاتي عندما كنت طالبا في الكلية وعندما كنت مكلفا بالخدمة العسكرية الالزامية.
وختاما ما سردته الا لأبين ان كان من حقك ان تصفنا باي كلمات ولكن لم يكن من حقك ان تصفنا بالعلماني عديم الايمان، فنحن قوم معتدلون في ايماننا وعقائدنا واخلاقياتنا وسلوكياتنا وممارستنا، وان كان البعض منا علمانيا فهم على خلق كبير وعلى ايمان كبير برب العالمين وبالرسل والانبياء وبالانسانية وهذا خيرما فينا مع جمع المؤمنين من شعبتا الكردي، وكم من مؤمنين من البيشمركة وهم في خنادق القتال يدافعون عن الكرد وارضهم وحاضرهم ومستقبلهم.
واخيرا وان كان لنا امل ورجاء فيكم فنقول قد حان لكم ان تفعلو عملا انسانيا واحدا لكي تسجل في صفحة من كتاب اعمالكم، وهو اقدامكم على اطلاق الاسرى من البيشمركة والعراقيين بالتفاوض او الفدية عملا واقتداءا بالاسلام الحقيقي، وذلك لكي يكون دليلا على انسانيتكم ان كانت باقية ذرة فيها لان افعالكم وممارساتكم واعمالكم اثبتت لحد الان انكم صنف من البشر لم يشهده الا نظام البعث، وابتكاركم لطرق الموت والتعذيب دليل على انكم وحاشيتكم امتداد لأمن ومخابرات وضباط صدام مع تبطين وتمويل وتجهيز من مخابرات اقليمية ودولية، ويعتقد ان ظهوركم في محافظات اخواننا السنة لم يكن الا لكسر شوكتهم والانتقام منهم من قبل واشنطن بعد ان قامت قئة مجموعة باغية من شباب المنطقة بقتل عدد من المدنيين الامريكيين الابرياء وحرقهم وتعليق جثثهم على جسر الفلوجة، وبذلك فتح هشيم النار على كل العراق وفتح باب جهنم مسعور على كل العراقيين.
وخير ما نختم به قول الله تعالى “ولكن الله يهدي من يشاء”، والله من وراء القصد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.