فاروق والشاه، ملوك ما قبل الطائفية / أسعد البصري

sdf+++69-965+4s

إنها احتكاكات بين أسر مالكة على قضايا بسيطة تشبه تلك التي تحدث بين الأسر العادية من دون أيّ بعد سياسي أو ديني أو طائفي.
إنه لأمر مُدهش أن نستذكر اليوم زفاف آخر ملوك إيران من شقيقة آخر ملوك مصر نهاية الثلاثينات من القرن الماضي. كبرى شقيقات الملك فاروق “فوزية” تزوجت من الشاه محمد رضا بهلوي وأنجبت له وأصبحت الإمبراطورة الإيرانية لسنوات، حتى عام 1948 حين قرر الملك فاروق تطليق شقيقته من الشاه عندما عادت إلى القاهرة لقضاء العطلة.


ويا لها من فكرة قفزت في خاطر الشاه رضا خان بأن مصاهرة أعرق ملكية في الشرق الأوسط، وهي أسرة محمد علي في مصر، ستجلب الكثير من الشعبية لأسرته الحاكمة. وكان الشاه الأب يتفاءل كثيرا بـ”فوزية” ويعاملها بلطف كبير في بلاطه، ويشركها في استقبال الوفود والجلسات السرية، حتى أنه لا يأكل إذا توعكت زوجة ولده، ولا يعود الصفاء إلى القصر حتى تتعافى الإمبراطورة الصغيرة.

لا توجد سيدة تشبه الصور الفوتوغرافية كالإمبراطورة فوزية، جمالها هادئ ووجهها نبيل وعيناها حائرتان. ما يهمني هو كيف أن الشعوب كانت أكثر انفتاحاً وتقبلا للزواج بين الأسر الحاكمة دون اعتبار للأحقاد القومية والطائفية، وكان لزواج محمد رضا بهلوي من فوزية بنت فؤاد أثر كبير على الإيرانيين والمصريين، وأعقبته زواجات كثيرة مماثلة بين الشعبين.

لم يكترث الشاه للدستور الإيراني الذي ينص على أن تكون زوجة الشاه إيرانية المولد، ولم يكن ذلك الأمر عائقا لفكرة المصاهرة بين الأسر الحاكمة للتقريب بين الشعوب. وليس كما جرى في العراق لاحقاً، حين أجبر الرئيس صدام حسين عددا كبيرا من الضباط والمسؤولين على التخلي عن زوجاتهم ومناصبهم بحجة أنهم متزوجون من فارسيات أو بالأحرى عراقيات فارسيات الأصل. الحب لا بد أن ينتصر بين الشعوب في النهاية، ومن العار أن يكون هذا حالنا بعد قرن من مصاهرة الشاه لملك مصر.

لما كوشِفَ الشاه بطلب الطلاق من زوجته فوزية قال إن دهشته عظيمة، فهو يحب زوجته وزوجته تحبه والعلاقات بينهما على ما يُرام، فما الذي طرأ؟ وبعد مفاوضات وإصرار الملك فاروق الذي كان كما وصفه الشاه ذات مرة “صاحب ميول إجرامية” لم يكن أمام الشاه سوى القبول.

وقد أبدى الشاه في جميع مراحل المفاوضات نبلاً وكرماً عظيمين. فقد رضي بأن تحتفظ طليقته بجميع المجوهرات التي أهداها إليها في مناسبات مختلفة.

وبعد أن استعد الشاه لإعلان الطلاق أبلغه الملك فاروق برغبة “أخوية” هي أن يؤجل الإعلان حتى يُطلق فاروق زوجته الملكة فريدة أيضاً ويتم إعلان “الطلاقين” في يوم واحد بالقاهرة، ورغم التأخير لشهور لم ير الشاه مانعاً من تحقيق رغبة الملك المصري.

لقد سعى الملك فاروق إلى تطليق أخته الإمبراطورة فوزية من الشاه لرغبة شاذة في نفسه، وهي أن ينشغل الشعب المصري بفضيحة الشاه أكثر من انشغاله بطلاقه هو لأمّ بناته الملكة فريدة. والمدهش هو أن الشاه تصرف بحكمة كبيرة حتى حين كان الملك يمنع رسائل ابنته من الوصول إلى أمها.

لقد تذكرت هذه الحكاية وأنا أقرأ كتابا طائفيا غريباً، يحلل الشخصية الفارسية والشيعية تحليلا عجيباً ويصفها بأبشع الصفات. لا يجب أن يتحول صراعنا السياسي مع إيران والشيعة إلى نوع من العنصرية والتطهير العرقي الأحمق، وننسى بأن الشعوب كلها عظيمة، وتمتلك جاذبية ثقافية وجمالية لا يمكن نكرانها بسهولة.

لقد كان البلاط المصري الذي سقط بانقلاب عام 1952 لا يختلف في الفساد المالي والتبذير عن البلاط الإيراني الذي سقط بثورة عام 1979 إلا أن الحكومات الجمهورية التي سقطتْ بما يسمى “الربيع العربي” فيما بعد، كانت هي الأخرى أكثر فساداً وإسرافاً من تلك العهود.

وبالرغم من كل شيء فإن الملكيّة التي كنا نصفها بـ”الرجعية” كانت قادرة على تخطي الحقد الطائفي والقومي بين العرب والفرس، والتصاهر عن طيب خاطر كما حدث بين طهران والقاهرة عام 1938.

ثم إنني رأيت بأنه من الأفضل تقديم مواضيع جديدة للقارئ غير الحديث الخانق عن داعش والميليشيات والسنة والشيعة، ذلك المحور الذي برعتُ فيه لعامين حتى صار لي مقلدون، أو كما يسميهم المتنبي “الصدى”.

وفي حكاية الإمبراطورة المصرية أكثر من حكمة وعبرة في عصرنا المليء بالأبخرة الكريهة كما يقول شكسبير. وأجمل ما قرأت عن هذه الحكاية ما كتبه محمد حسنين هيكل حيث ذكر بأن الشاه الأب قد أخذ معه، حين ذهب إلى المنفى في جنوب أفريقيا عام 1941 سيفاً جميلاً قديماً مرصعاً بالأحجار القديمة، كان قد انتقاه من خزانة الإمبراطورية الإيرانية النفيسة ليلبسه يوم حفل التتويج.

وعندما مات الملك المخلوع في غربته وضعت أرملته تاج الملوك هذا السيف إلى جانبه في التابوت، وطلبت نقل الجثمان ليُدفن في إيران، غير أن السلطات الروسية-الإنكليزية، التي كانت تحتل البلاد رفضت طلبها. وأُرسِلَ التابوت إلى مصر وَوضِعَ في مسجد الرفاعي.

وبعد انتهاء الحرب أصبح من الممكن دفنه في إيران. وأُرسِلَ التابوت إلى طهران. ولكن عندما فُتِحَ التابوت لم يجدوا السيف. كانت تاج الملوك متأكدة من وجود السيف داخل التابوت، لأنها وضعته بنفسها.

وخمنتْ بدهاء الفارسيات المعروف بأن التفسير الوحيد لاختفائه هو أن يكون الملك فاروق قد سمع عن ذلك السيف الثمين، وأمر بفتح التابوت ورأى السيف فأعجبه كثيراً واستولى عليه، وكان تخمينها صحيحاً فقد سرقه ملك مصر.

وبسبب ذلك السيف تعرضت شقيقة الملك فاروق للكثير من المضايقات، لأن حماتها تاج الملوك أخذت تقول لفوزية بنت فؤاد “هل هذه أخلاق الملوك عندكم؟ ربما نحن لسنا عائلة عريقة كعائلة محمد علي ولكننا لسنا لصوصا.”

إنها احتكاكات بين أسر مالكة على قضايا بسيطة تشبه تلك التي تحدث بين الأسر العادية من دون أيّ بعد سياسي أو ديني أو طائفي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.