ترامب والخليج: سوقية القول وحصافة العمل/ محمد قواص

العلاقة التاريخية الاستراتيجية الأميركية الخليجية هي ضرورة لواشنطن التي ما زالت تدافع عن موقعها الأول في العالم، في مواجهة أقطاب مثل روسيا والصين تزحف بدأب نحو العالم.


ترامب سيستغني عن خطابه السلعي ومساوماته الصوتية بانتهاء الانتخابات النصفية
يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب منظمة الأوبك، ودول الخليج ضمنا، متوعدا إياها بعواقب وخيمة إذا لم تعمل على خفض أسعار النفط. يقرر الرجل أن سعر البرميل مرتفع كأي تاجر يشكو من أن مزاج السوق لا يتناسب مع تجارته.

لا ينخفض سعر النفط، ولا ترفع دول المنظمة النفطية مستويات الإنتاج ولا تزيد، بالتالي، العرض النفطي في الأسواق. لا بل إن خطابات سيد البيت الأبيض في هذا الشأن ترفع الأسعار وتفتح الآفاق نحو ارتفاع آخر.

وفيما يُظهر الرئيس الأميركي حزما لم يُظهره رئيس أميركي من قبله، تبدو عواصم العالم تتعامل مع هذا الرجل في واشنطن بصفته ظاهرة صوتية لها قرقعة داخل الولايات المتحدة لحسابات بيتية أميركية، لا رابط لها مع أصول العلاقات الدولية وقواعد إدارة الموارد في العالم.

سبق لترامب، أثناء الحملة الانتخابية التي ساقته لرئاسة الولايات المتحدة، أن نال من دول الخليج بلدا بلدا. أفاض في التهديد بالنهل من ثروة الكويت، وبنيته التوجه إلى العراق ليخبرهم بـ”أني أريد نفطكم”، قبل أن يوزع وعيده ضد هذه العاصمة أو تلك.

وعد الأميركيين بأنه سيجعل دولاً في الشرق الأوسط، كما في جنوب شرق آسيا، تدفع ثمنا غاليا للحماية التي توفرها بلاده لها. هاجم حلف شمال الأطلسي، لوّح بإمكانية سحب بلاده من داخله، قبل أن يجول على دول الاتحاد الأوروبي بالنقد والاستخفاف والسخرية والاستفزاز.

فكان أن فاز هذا الرجل، بخطابه وملافظه وسوقية مقارباته مطيحا بـ16 مرشحا في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، قبل أن يطيح بهيلاري كلينتون منافسته عن الحزب الديمقراطي ويقفز إلى داخل البيت الأبيض مكذبا كافة استطلاعات الرأي التي توقعت عكس ذلك.

في خطابه الراهن صوب الأوبك أو السعودية أو أي طرف يلحظه صدفة، لا يتوجه ترامب إلى تلك الدول والأطراف التي من الواضح أنها لا تصغي إليه ولا تتأثر بضجيجه.

يبعث الرجل بخطبه نحو الداخل الأميركي. يلقي بذوره التي ألقاها سابقا في حقول الحملة الرئاسية، في تراب الحملة الحالية المتعلقة بالانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر الماضي. بدا أن حصد الأصوات، وفق خبرته، لا يستند على استمالة الناخب الواعي بأحوال الدنيا المدرك لقواعد عالم اليوم، بل على استمالة الناخب الذي تطربه نوستالجيا “الرجل الكاوبوي” وتشده شعارات أميركا سوبرمان ورامبو وكل الشلة التي لا تقهر.

فإذا ما هدد الأوبك وتوعد، فإن رنين ذلك ما يسمعه المُنصت والمُتلقي في شيكاغو وبنسلفانيا وفلوريدا وتكساس… إلخ، وأن عدم اكتراث العالم بقرقعة ترامب لن تلحظه الكتلة الناخبة التي يعتمد عليها والتي لا يسعى إلى غيرها.

كتب الصحافي الأميركي جاستن ويب في جريدة التايمز اللندنية أن “أميركا التي انتخبت دونالد ترامب لا تزال تحبه، وعلى الليبراليين المنعّمين أن يعلموا أن الرئيس لم يتم انتخابه لأنه لطيف أو أمين”.

يتعرض الرئيس الأميركي لحملة قضائية قد تطيح به. تتراوح الاتهامات ضد هذا الرجل بين التهرب الضريبي تارة، والتحرش الجنسي تارة ثانية، والتواطؤ مع روسيا تارة ثالثة.

يطيح ترامب بمَن مِن شأنه تشكيل خطر عليه داخل الإدارة والمؤسسات الأميركية. أقال وزير العدل بالوكالة سالي ييتس، وهو يجهد لتحمل وزير العدل الحالي جيف سيشنز. أقال بتغريدة على تويتر وزير الخارجية السابق ريكس تيليرسون وعين مايك بومبيو مكانه.

وأقال مستشار الأمن القومي هربرت ماكمستر وأتى بجون بولتون مكانه. وأقال مدير مكتب التحقيقات الاتحادي (أف.بي.آي) جيمس كومي محاولا التخلص من تحقيقات يقودها الأخير ضده… واللائحة تطول. ومع ذلك ما زال ترامب، صاحب هذا المزاج وهذا اللسان، صامدا على رأس الموقع الأول في الولايات المتحدة.

انتخب ترامب رئيسا، وفق بعض نظريات علماء النفس الأميركيين، لأنه شرير فظّ سليط اللسان متهور الكلام متقلب المزاج… إلخ. يذكر ويب أن الأميركيين لم ينتخبوه لأنه “لطيف وأمين”، فلماذا يغير الرجل من أسلوب وطباع لا يعرف غيرها وسبق أن جُربت مع ناخبيه وآتت ثمارها؟ وفق ذلك ينتقل الرئيس الأميركي من منبر بيتي إلى آخر، ومن صرح دولي إلى آخر، مستثمرا مواهب في خدمة الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس النصفية.

يستحق الأمر أن يوزع الشتائم على هذه الدولة أو تلك أو ضد هذا الزعيم أو ذاك، ذلك أن انقلاب الأغلبية لصالح الحزب الديمقراطي لا يقوّض نفوذ حزبه فقط، بل سيسبب تصدعا بنيويا في الأبجديات التي جعلته صامدا في البيت الأبيض على الرغم من سيف التحقيقات ونيرانها.

لم يصافح الرئيس الأميركي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حين زارته في واشنطن في مارس 2017. كان يفترض أن يشكل الأمر إهانة لألمانيا نفسها، كما لشخص الزعيمة الألمانية.

ومع ذلك تم التعامل مع الأمر بروح الدعابة، ولم يستدرج ردحا مضادا من قبل برلين. ذهب ترامب في يوليو الماضي إلى حد اتهام ألمانيا بأنها “أسيرة لروسيا” فلم يلقَ الحدث تعليقا ألمانيًّا.

راح في بروكسل يلقي محاضرة تأنيبية أمام الحلف الأطلسي. استمع الحضور بصمت وكأنهم لا يسمعون، قبل أن ينصرفوا وكأن شيئا لم يكن. وفي “اسكتشات” ترامب ما يروى ضد زعماء المكسيك وكندا وكوريا الشمالية، كما ضد كوريا الجنوبية والصين واليابان. وحده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقي “مدلل” ترامب من دون منازع، وبقي لقاءهما الأخير في هلسنكي غامضا لا تعرفه أجهزة واشنطن ومؤسساتها.

ليس لدول الخليج أن تباشر سجالا مع رجل الولايات المتحدة الأول في ما يمارسه من ردح طال دول العالم حلفاء وخصومًا. يعرف الخليجيون أن منطقتهم هي جزء تاريخي من مصالح الولايات المتحدة، وأن ما يمنّ عليه ترامب من حماية للمنطقة ما هو إلا دفاع أميركي عما تعتبره واشنطن منطقة حيوية للأمن الاستراتيجي الأميركي.

ولئن باتت الولايات المتحدة غير مستوردة لنفط الخليج، إلا أن المنطقة ما زالت خزان الطاقة الأول للطاقة الذي تلجأ إليه الصين واقتصادات صاعدة أخرى. وعلى هذا فإن العلاقة التاريخية الاستراتيجية الأميركية الخليجية هي ضرورة لواشنطن التي ما زالت تدافع عن موقعها الأول في العالم، في مواجهة أقطاب مثل روسيا والصين تزحف بدأب نحو العالم.

يتحدث ترامب بلغة السوق في السوق، لكنه في علم العلاقات الدولية ينصت بدقة لما ينبض داخل الدولة العميقة للولايات المتحدة. لم يتجاوز الرجل يوما ما يتحدد في وزارة الخارجية والبنتاغون ووكالات الأمن الكبرى. فحين ردح في السوق يوما أنه سيسحب القوات الأميركية نهائيا من سوريا، صوّبت “الدولة العميقة” هذا الشطط، فرجع عن كلامه وقرر إبقاء هذه القوات وتطوير مهامها إلى أجل غير مسمى.

ستنتهي الانتخابات النصفية وسيستغني ترامب عن خطابه السلعي ومساوماته الصوتية. سيعيد تكرار ذلك لا شك قُبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة. ستضجر دول العالم أجمع من سماع نفس الأغنية وترداد نفس النغمات ويتركون لهذا الرجل تمارينه، دون أن يكرّموه بجدل أو يمنّوا عليه بردح.