الدولة الوطنية العلمانية هي صمام الأمان/ حسن العطار

 
اتحفنا الأستاذ “سعود عبد الله القحطاني”، المستشار في الديوان الملكي والمسؤول عن الدراسات والإعلام، بمقالته الرائعة بعنوان “الدولة الوطنية والشرعية الأيدلوجية” المنشورة في جريدة الرياض يوم الخميس الرابع من الشهر الجاري. المقالة اكدت على الحقائق التالية:
أولا: أصبحت الدولة الوطنية بحدودها الجغرافية التي تمخضت عن معاهدة صلح “وستفاليا” عام 1648م هي الأساس المعترف به، مقابل الامبراطوريات التي كانت قائمة وقتذاك، وان هذه الاتفاقية انهت مرحلة العصور الوسطى.

ثانيا: ان الإسلام أكبر من ان يختزل بمذهب واحد او رؤية معينه، ومن الواجب ان تكون نظرتنا للإسلام أكثر تجردا، وان نحترم ونتعايش مع التعددية المذهبية والدينية كواقع تفرضه طبيعة الأشياء ويؤكده منطق التاريخ، وان الخلافة مسألة قد انتهت، وهذه من سنن الله في خلقه لهذا الكون.
ثالثا: ان الأيدلوجيا بطبيعتها فكر احادي الجانب متقوقع على ذاته، لا يتغير بتغير الظروف والاحوال، وهي ان نجحت في تأسيس الدول غير انها لم تكن سببا في شرعيتها واستمراريتها وبقاءها، بل على العكس كان السقوط في نهاية الامر هو مصيرها المحتوم. وأقرب مثال هو انهيار الدول الاشتراكية التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي السابق.

من اهم مبادئ العلمانية انها لا تقوم على أسس دينية، وهذا لا يعني انها تعادي الدين او ترفضه كما يدعي الإسلاميون. الدين في ظل الدولة العلمانية هو علاقة فردية بين العبد وربه، كما انه عاملا فعالا في بناء الاخلاق والمعاملات، وخلق الطاقة للعمل والانجاز لمعتقديه. ما ترفضه العلمانية هو تسخير الدين لتحقيق اهداف سياسية، فذلك يتنافى مع مبدأ التعدد التي ترتكز عليه العلمانية، كما ان هذا التسخير للدين يعتبر من اهم العوامل التي تحول الدين الى موضوع خلافي وجدلي، والى تفسيرات متعددة قد تبعده عن عالم القداسة وتدخل به الى عالم المصالح الدنيوية.

العلمانية تدعو الى اقامة المجتمع المدني القائم على الاعتراف بالاختلاف والتنوع القابل للتفاوض، وتسعى الى تقديم وتطوير اهداف وطنيه واسعه، مثل حقوق الانسان وتحقيق العدالة الاجتماعية وتمكين المرأة، وتعزيز القيم الديمقراطية واشاعة الثقافة المدنية وربط المجموعات المختلفة في الاصل والعرق والدين في بوتقة واحدة. كما انها تعمل على الحد من سلطة الدولة وتضبطها بصوره حيوية وتعزز استقرار الديمقراطية. وعندما يكون المجتمع المدني فعالا، فانه يعزز شرعية النظام السياسي ويأخذ على عاتقه بعض ما تتحمله الدولة.

العلمانية، كنظام سياسي ديموقراطي، تضمن خصائص حرية الافراد في الاعتقاد الديني والرأي والتعبير والتظاهر السلمي، وانشاء الاحزاب السياسية والنقابات العمالية والجمعيات الخيرية، وحرية التصويت والمنافسة على المناصب العامة. العلمانية هي إطار ضروري لتمكين افراد المجتمع من ممارسه حقوق المواطنة عبر ما نسميه مؤسسات المجتمع المدني التي هي جزء من الديموقراطية نفسها.

لن تتعافى المنطقة العربية من ازماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولن تخرج من دائرة الحروب الاهلية إلا بالعمل على تحقيق الدولة الوطنية، وهذا الهدف لن يتحقق إلا بإشاعة الثقافة الديمقراطية التي تقوم على مبادئ تعدد الأفكار والأديان والمعتقدات، وحق الاختلاف والنقد البناء، ونبذ ثقافة الاقصاء، واستخدام العنف والتصفيات الجسدية في حل الخلافات السياسية.

آخر الكلام: الدولة الاسلامية انتهت واقعيا بعد مقتل الإمام “علي” عليه السلام في سنة 40 للهجرة. بعد ذلك مباشرة نشأت الملكيات المطلقة الملتحفة عباءة الدين، ابتداء من الأمويين، وانتهاء بمملكة بني عثمان التي سامت العرب سوء العذاب، وافقرتهم وجعلت منهم شعوبا متخلفة. ومع ذلك لا يزال الإسلاميون العرب يبكون عليها ويشتاقون اليها. تلك الفترة المطلقة، اغلب صفاحاتها سوداء مظلمة، ولا يوجد في تاريخها الطويل إلا القليل من الصفحات البيضاء خلال فترات زمنية قصيرة.

نقلا عن ایلاف