قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحول من بلد إلى بلدية؟/محمد قواص

تنشط همة بارونات الطوائف للتحكم في الطوائف مستفيدة من غياب لبنان عن أي أجندة دولية، ومن غياب أي أفق يفصح عن معالم الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل جراحيا.


لن يحتاج حزب الله إلى مؤتمر تأسيسي يعيد صياغة النظام السياسي اللبنـاني. يبدو للمتأمل للقـانون الانتخابي العتيـد التي يجري تداوله قبل أن يتم إقراره، أن حيثياته وحواشيه تُدخل تعديلات مفصلية على اتفاق الطـائف، على النحـو الـذي سيطيح بـه في استحقاق لاحق لمصلحة إنتاج صيغة يفرضها واقع الغلبة في البلاد.

بكلمة أخرى، يجري تغيير النظام بما يتجاوز حقبة الوصاية السورية، وبما يتجاوز مخارج الحرب الأهلية، وبما يتجاوز النظام العالمي البائد الذي أنتج بشروط عام 1989 اتفاق الطائف الشهير.

لا يمثل النظام الانتخابي الجديد انتقالا مفصليا للمؤسسة السياسية اللبنانية من علّة الطائفية إلى فضيلة اللاطائفية. لا أحد من مشرّعي هذه الأيام يسعى إلى ذلك، ولا أحد من بارونات السياسة في البلد يلامس، ولو صوريا، ما وعد به “الطائف” من خروج من نظام طائفي يتعامل مع اللبنانيين وفق هويتهم البيولوجية المذهبية، باتجاه المواطنة بمعناها المتعارف حتى لدى بلدان لم تنتقل بعد إلى مصاف الديمقراطيات المعتبرة.

ومن الخطأ اعتبار أن الجدل حول مستقبل لبنان يجري بين اللبنانيين. فالنقاش في كافة مستوياته يدور بين العائلات السياسية التي تحكم البلد متبرّعة بتمثيل مكوناته، بما يحوّل أي تسوية ناضجة أو أي صفقة متسرّعة إلى تدبير داخلي يتم إقراره خدمة لديمومة سطوة هذه العائلات على قرار لبنان ولبنانييه.

وما السجال الذي يتصاعد ويخبو، والذي قد يأخذ أشكالا “تغريدية” في عصر الإعلام الحديث، إلا نتاج تناتش بين وجاهات البلد حول حصصهم في السلطة والثروة، وفق المشهد البرلماني المقبل، بما يفسّر غياب أي جدل حول هوية البلد وأيديولوجيات إدارته وموقعه داخل المشهد الإقليمي العام، وبما يحيل لبنان، وفق ذلك، إلى مشروع تتمّ هندسة تفاصيله بما يرضي أصحاب الأسهم في الشركة القابضة التي تملك مصيره حجرا وبشرا.

لا يبدو أن النسبية التي يجري التبشير بها للنفاذ نحو صوت الناخب من خلال 15 دائرة انتخابية تهدي اللبنانيين تمثيلا صحيحا. تتناقض النسبية في وقعها الحداثي مع الطائفية في عزفها المتخلّف. ولا يستقيم التمثيل الصحيح للمواطن اللبناني مع تمرين سيفاقم من مشاعر القسمة والتباعد بين ناس البلد على قاعدة الخروج من الانتماء إلى “وطن نهائي” وفق مزاعم الطائف، باتجاه تكريس وتثبيت الخرائط الحسابية للمذاهب، ليس في كينونتها العرضية المؤقتة وفق دستوريْ لبنان الاستقلال ولبنان ما بعد الحرب الأهلية، بل في كونها ثابتا بنيويا من طبيعة البلد، وتكريسا أبديا للتخلف التعاقدي الذي يعيد البلد إلى بدائيات ما قبل قيام الجمهورية اللبنانية.

يشعر اللبنانيون أن تجدد الطبقة السياسية اللبنانية لا يتواكب مع تجدد الفكرة اللبنانية نفسها. قد يتم الاستنتاج بسهولة أن سياسيي لبنان الأوائل كانوا أكثر نضجا في فهم التركيبة اللبنانية واستيعاب حساسياتها، وأن “الدولة العميقة” لهذا الكيان كانت أكثر إدراكا لأهمية لبنان وحيوية دوره في منطقة الشرق الأوسط.

وفيما ذهب فلاسفة الفكرة اللبنانية، منذ ميشال شيحا، بعيدا في إنتاج معنى كوني للوجود اللبناني، سواء في أعماقه الفينيقية أو في مساحاته العربية الإسلامية المسيحية، فإن العاكفين على حماية لبنان والدفاع عن حقوق اللبنانيين هذه الأيام، منهمكون في إعادة استيلاد كيان يترجّلُ من مستوى البلد إلى مستوى البلدية. يكفي أن يتأمل المراقب مداولات القانون الانتخابي الجديد ليستنتج إهمال المشرّعين لكتب التاريخ وحقائق الجغرافيا وانشغالهم بالحاسبات يستشرفون منها الأحجام بمعناها الكميّ لا النوعي. فلبنان القادم تكريس كامل للعفن الذي أنتجه تناحر اللبنانيين الذي لم تنته فصوله، وللانهيار الذي أصاب العالم العربي باتجاه درك لم ينته عمقه.

يتندّر العرب كثيرا بالتقدم الذي عاشته مجتمعاتهم في عقود المنتصف الأول من القرن الماضي. يتداولون صور الأفلام السينمائية القديمة ومهرجانات المسرح وفعاليات الثقافة والتي تفرج أيضا عن سلوك في المضمون وفي الهندام يكشف تواكب روح ذلك العصر مع العصر الذي كان يعيشه العالم أجمع آنذاك.

ويتندر اللبنانيون، لا سيما أولئك الذين عايشوا لبنان الخمسينات والستينات وبداية السبعينات، بحقب استطاعوا فيها التطور وفق نظام سياسي يسمح قانونه الانتخابي للمواطن باختيار لوائح مرشحة يختلط فيها المسلم والمسيحي، بما يوفر تواصلا، ولو شكليا، بين السياسي والناخب أيا كانت طائفته. في ذلك الزمن كانت الحكمة تقتضي زرع نواب ينتمون لطوائف في فضاءات الطوائف الأخرى، فيما تجري ورشة هذه الأيام لنقل المقاعد بغية تطهير الطوائف من التلاقح والمحافظة على صفاء “العرق” المذهبي ناخبا ومنتخبا.

يأسف وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل لأن النظام الانتخابي الجديد لن يكون “أرثوذكسيا”، في إشارة إلى ذلك النظام الذي يطالب بألا ينتخب المسلمون إلا نوابا مسلمين وألا ينتخب المسيحيون إلا نوابا مسيحيين. يأسف باسيل لأنه لم يتمكن تماما من حرمان المسلم من اختيار نائب مسيحي يرى فيه القدرة والجدارة الكفاءة على أن يكون نائبا لـ”الأمة جمعاء” وفق المادة 27 من الدستور اللبناني. ويأسف الرجل لأنه لم يتمكن تماما من إيجاد قطيعة انتخابية كاملة تفصل المواطنين المسيحيين الذين ينادي باسترجاع حقوقهم عن المواطنين المسلمين المفترض أنهما (أي الجماعتين) يشكلان جناحي هذا الوطن. وفي حكاية التسويات التي تمرر هذه الأيام اغتيال كامل للفكرة اللبنانية، وإعدام لاحق لما أعتبره يوما البابا يوحنا بولس الثاني أنه “رسالة”.

لو قيّض لسوريا أن تتخلص من نظامها لإقامة نظام ديمقراطي متعدد حديث لما تجرأ ساسة لبنان على التفاخر بطائفيتهم ونادوا بتثبيت الأمر بالنصوص. ولو قيّض لرياح “الربيع العربي” أن تنقل المنطقة من طور إلى طور، كما حدث لدول أوروبا الشرقية بعد زوال الاتحاد السوفييتي، لخجل اللبنانيون من تخلف عقائدهم وتقادم عقدهم الاجتماعي.

لكن من حظ الطبقة السياسية الراهنة أن الطائفية باتت سلوكا معمّما في الشرق الأوسط، وأن “اللبننة” باتت مدرسة في علم السياسة وأصول الحكم تم اعتمادها في عراق ما بعد الغزو، ويُبَشّر بانتهاجها في ما يتم التداول بشأنه لمستقبل سوريا. وعليه خرج لبنانيو اليوم من “طائفهم” للالتحاق بطوائفهم ممعنين في حفر العلّة ونفخ أورامها وجعلها خبيثة تنذر بالعدم.

سيجدُ حزب الله متنفّسا مريحا لمشروعه الطائفي الذي يمثل من خلاله طائفة بامتداداتها التي تتقاطع في طهران. باتت حقوق “المهمّشين” تلتقي مع حقوق “المحرومين” لإنتاج ورشة تقضم جسد البلد على أرضية السعي إلى تحويله إلى شتات. فإذا ما كان الحزب يعمل على ربط أوصال مناطقه المفيدة بمناطق في سوريا قيل في دمشق أنها مفيدة، فإن “التمثيل الحقيقي” للمسيحيين سيجري وفق فرضيات لا تأخذ في الاعتبار مصير البلد ومستقبل وجوده. فالورشة المحلية تعمل على هامش الضجيج الإقليمي الكبير الذي يصدح من سوريا إلى اليمن مرورا بجراحات العراق ونزاع الخليج وحرب اليمن وصراع ليبيا.

وتنشط همّة بارونات الطوائف للتحكم في الطوائف مستفيدة من غياب لبنان عن أي أجندة دولية، ومن غياب أي أفق يفصح عن معالم الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل جراحيا. بيد أن الأنواء التي تداهم النظام الدولي برمته قد تقلب نسماتها طموحات غرائزية لبنانية أريد لها يوما أن تكون “أرثوذكسية” في خبثها.