مسلسل المؤامرات القطرية… هذه المرة في البحرين/سلمان الدوسري


لا توجد دولة عانت من الانتهاكات القطرية كما البحرين. لا توجد دولة تجرعت الآلام وطعنت مرة بعد مرة من شقيقتها وجارتها مثل البحرين. بدأت فصول الحكاية مع النزاع التاريخي الشهير على «جزر حوار» الذي حكمت به محكمة العدل الدولية، وأقرت بأنها ضمن النفوذ البحريني. خلال سنوات المحاكمة حلمت قطر بالسيطرة على الجزر الأقرب جغرافيا إلى المملكة البحرينية من البر القطري، ناهيك عن أنها تاريخيا، وكما تؤكد الوثائق البريطانية وغيرها، بحرينية منذ القدم، إلا أن العقدة القطرية من البحرين لم تتوقف مع حكم محكمة العدل الدولية، بل يمكن القول إنها ابتدأت من هناك، حيث شن رئيس الوزراء القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم، وكان وقتها وزيرًا للخارجية بمجرد توليه منصبه بعد الانقلاب الشهير في الدوحة عام 1995، هجومًا دبلوماسيًا بلا مناسبة ضد الجارة البحرين، واتهمها بالتدخل في الشؤون القطرية الداخلية، واستمرت الدوحة تكيد للبحرين حينا سرًا، وأحيانًا علانية، حتى جاءت اللحظة الفاصلة عندما عاشت البحرين فصلا قاتما من تاريخها في فبراير 2011، حيث تفتتت معارضتها الشيعية ما بين معارضة معتدلة أضاعت البوصلة، ومعارضة مسلحة ارتأت أن أجواء الربيع العربي مواتية للمطالبة بجمهورية إسلامية، على الطريقة الخمينية، ورحيل النظام الملكي، ربما كان وقع الصدمة على البحرين، والسعودية وباقي دول الخليج، كبيرا بعد أن وقفت قطر منذ اليوم الأول مع الفوضى، مصورة ذلك بأنه حياد، وكان رئيس وزرائها السابق الشيخ حمد بن جاسم يتنقل بين المنامة والدوحة ناقلاً وساطات ومبادرات لم تطلبها المنامة كما لم تقبل بها أصلاً، لم يكن يعلم أن البحرين تعلم باتصالاته السرية مع المعارضة المسلحة، بل إن الدوحة كانت تواصل اتصالاتها مع أقطاب المعارضة المسلحة بأريحية كاملة غير عابئة باحتمال تنصت المنامة عليها، فهي في ذلك الوقت كانت ترى أن سقوط النظام مسألة وقت لا أكثر. واستمر حمد بن جاسم في محاولاته لتطبيق خريطة طريق وتشكيل «حكومة إنقاذ وطني» وانتخابات جديدة على أسس تخدم المعارضة المتطرفة. غني عن القول إن الملك حمد بن عيسى آل خليفة رفض هذه المبادرة جملة وتفصيلاً، وحمدًا لله أنه فعل وإلا لكانت إيران قد بلعت من البحرين عبر ميليشياتها. وغير صحيح البتة ما تروجه الدوحة بأن البحرين سمحت لقطر بالقيام بوساطة أو مبادرة في ذلك الوقت، بل رفضتها بشدة، واعتبرت السلوك القطري تدخلاً في الشؤون الداخلية للمنامة. ولعلي أشير هنا إلى حدثين مهمين، الأول أن مسؤولا سعوديًا كبيرًا قال غاضبًا لحمد بن جاسم في المنامة عندما سعى لتسويق مبادرته: «اعرف حجمك»، والثانية إلى جرأة حمد بن جاسم في الطلب بالذهاب إلى ميدان مجلس التعاون (اللؤلؤ سابقًا) حيث مقر الاحتجاجات وأعمال الشغب، وهو ما قوبل بغضب كبير من قبل المسؤولين البحرينيين.
التسجيلات الجديدة التي كشفتها البحرين عن اتصالات أجراها مستشار أمير قطر مع معارض بحريني متطرف، أعادت الأضواء من جديد للدور القطري الذي يبدو حافلاً بتاريخ من المؤامرات مكتملة الأركان. وعلى الرغم من قناعتي بظهور كثير من الأدلة مستقبلاً، فإن ما كشف حتى الآن يكفي لمعرفة أن خيوط المؤامرة أكبر وأعقد من أن يتم حلها بالهروب إلى الأمام، أو بتبريرات لا تستند إلى وقائع كما تفعل الدوحة حاليًا، فقطر أرتأت وضمن مشروعها للسيطرة على المنطقة الذي لن يتم إلا بضرب الاستقرار السعودي وإحداث ثورة فيه، كما كشفت عنه التسجيلات المعروفة مع القذافي، أن تضرب السعودية في خاصرتها، إلا أن المملكة البحرينية تمكنت من الخروج من أزمتها تلك بأقل الأضرار، بمساعدة أشقائها الحقيقيين بقيادة السعودية، ورأت الدوحة أن الفرصة التاريخية التي تريدها قد ضاعت منها ولم تدخل البحرين بوابة الربيع العربي المشؤوم المدعوم من الدوحة.
بعد أن أعلنت المعارضة البحرينية المسلحة رغبتها في تغيير النظام وتأسيس جمهورية إسلامية، اقتحم محتجون مرفأ البحرين المالي الوسط التجاري للعاصمة المنامة. أذكر تلك اللحظات جيدًا، حيث كانت الساعة الثامنة صباحًا، وكنت أشاهد قناة الجزيرة الإنجليزية وهي تبث مشاهد الاقتحام على الهواء مباشرة. ما زلت أتذكر مذيعة القناة وهي تهلل فرحًا بأن النظام الملكي في البحرين قد سقط، وأن الثورة نجحت، و«نحن أمام نظام جديد في البحرين». ما حدث على شاشة الجزيرة عبر باختصار عن حقيقة المخطط القطري الذي كان فعلا يساند إسقاط النظام في شقيقته البحرين، وهو ما فسر لاحقًا تحفظ الدوحة عن المشاركة في قوات درع الجزيرة التي تدخلت في البحرين، وأيضا عندما أقر مجلس التعاون مشروع مارشال لدعم البحرين وعمان، كانت قطر الوحيدة (من ضمن أربع دول هي السعودية والإمارات والكويت) الممتنعة عن دفع حصتها من المبلغ حتى الآن.
أي صدمات أخرى قادمة ننتظرها من قطر؟!
عن الشرق الأوسط