انتخابات فرنسا: انتعاش محور باريس-برلين وضمور حلف ترامب-ماي/محمد قواص

حاز حزب الجمهورية إلى الأمام بزعامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحليفه حزب الحركة الديمقراطية الذي ينتمي إلى تيار يمين الوسط 350 مقعدا في البرلمان من إجمالي 577 مقعدا، بعدما منحت النتائج النهائية للانتخابات التشريعية ماكرون الأغلبية البرلمانية الحاكمة التي يحتاجها للمضي قدما في تنفيذ إصلاحاته بعيدة المدى والهادفة إلى تحقيق النمو الاقتصادي، كما كانت هذه الأغلبية كافية لإزاحة الأحزاب التقليدية الفرنسية الأساسية وتوجيه رسالة مهينة لحزبي الاشتراكي و”الجمهوريون” المحافظ اللذين تناوبا على السلطة على مدى عقود.


فرنسا إلى الأمام بمشهد سياسي غير تقليدي

لم تصدق مؤسسات استطلاعات الرأي في فرنسا حين توقعت في أعقاب الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية في 11 يونيو الجاري أن تكتسح لوائح حزب الرئيس إيمانويل ماكرون “الجمهورية إلى الأمام”، مقاعد البرلمان الفرنسي في الدورة الثانية التي جرت الأحد الماضي بأكثر من 400 مقعد.

فإذا ما هرع الناخب الفرنسي لانتخاب ماكرون رئيسا، فإن الكثير من أصوات الفرنسيين اندفعت منعا لتسليم قصر الإليزيه إلى اليمين المتطرف بشخص مارين لوبان، زعيمة حزب الجبهة الوطنية وابنة جان ماري لوبان الشهير بتاريخه الشعبوي العنصري في فرنسا. وإذا ما منحوا حزبه ثقة البرلمان، فالكثير من تلك الثقة سببها عجز الأحزاب التقليدية الفرنسية العريقة عن مواجهة المعضلات الفرنسية وعن اجتراح حلول خلاقة لها.

لكن فرنسا التي صدت اليمين المتطرف عن أبواب القصر الرئاسي وعاقبت الحزب الاشتراكي على أداء فرانسوا هولاند وحكوماته خلال الخمس أعوام الماضية، وعاقبت الحزب الديغولي على أداء نيكولا ساركوزي وحكوماته في الولاية السابقة لولاية هولاند، وجهت رسالة تحذيرية للرئيس الحالي بأن تأييدها له في مايو ولحزبه في يونيو ليس مفتوحا، وأن انخفاض السقف الذي كانت تتوقعه استطلاعات الرأي في شأن حجم ماكرون التشريعي، هدفه انعاش الخصوم داخل البرلمان، وبالتالي إنعاش إمكانات المشاغبة على الماكرونية ومراقبة تجاوزاتها المحتملة.

البرلمان الفرنسي الجديد يعبر عن تناوب رشيق شمل 75 بالمئة من الوجوه الجديدة التي لم تكن حاضرة في البرلمان السابق

أغلبية مريحة

فاز حزب الرئيس بالأغلبية المطلقة واحتل حزبه بالتحالف مع اليمين الوسط (الحركة الديمقراطية نالت 42 مقعدا) حوالي 350 مقعدا تخوّل إيمانويل ماكرون حكم البلاد بأغلبية مريحة وتتيح له تمرير خططه وإصلاحاته دون عناد برلماني.

كانت الاستطلاعات السابقة تمنح حزب الرئيس 450 مقعدا مقابل انهيار لكافة قوى اليسار واليمين. بدا أن الناخب الفرنسي أراد منح الرئيس الجديد ما يحتاجه فقط دون إفراط، وبدا أن هذا الناخب قد استمع إلى نداءات حذرته من تجميع السلطات في فرنسا في يد رجل واحد.

بيد أن رجل الإليزيه يبدو سعيدا بهذه النتيجة. لم يكن أحد يتوقع أن يتبوأ ماكرون، وهو الذي بالكاد كان معروفا قبل عام، سدة الرئاسة الفرنسية، كما لم يكن أحد يتوقع أن يطيح حزبه المرتجل على عجل بأحزاب عريقة، لطالما تعاقبت على الحكم، ولطالما تعوّد الفرنسيون التعامل مع حضورها.

انهارت نسبة المشاركة في انتخابات الأحد إلى مستويات تاريخية فبلغت 57.4 بالمئة من عدد يحق لهم التصويت (47 مليونا). استنفد الفرنسيون حماسهم للانتخابات فأعرض معظمهم عن الإقبال على الاقتراع في ظاهرة قد تكشف جحود المواطن بالطبقة السياسية برمتها. لكن الظاهرة قد تكشف أيضا اطمئنان الفرنسيين إلى حظوظ حزب الرئيس في الهيمنة على البرلمان على نحو لا يتطلب استنفارا فوق العادة ولا هرولة لتعبئة الصناديق.

وأيا تكن قراءة نتائج هذه الانتخابات فإن الثابت أن البرلمان الجديد يعبر عن تناوب رشيق شمل 75 بالمئة من الوجوه الجديدة التي لم تكن حاضرة في البرلمان السابق، فمن بين 570 نائبا يشكلون البرلمان المنتخب عام 2012، فإن 145 فقط أعيد انتخابهم الأحد بما نسبته 25 بالمئة من إجمالي عدد النواب.

ويعبر البرلمان الجديد عن حضور نسائي يقارب الـ38 بالمئة وهو مستوى تاريخي بامتياز، فانتخبت 223 امرأة مقابل 155 كنّ في البرلمان السابق، بما يلتقي مع خطاب ماكرون الداعي إلى حقن الطبقة السياسية الفرنسية بطاقات جديدة، بكفاءات لامعة تأتي من منظمات المجتمع المدني.

تقدم ماكرون وحزبه، لكن حزب “الجمهوريون” الديغولي استطاع مقاومة الهوس بماكرون ومنع انهيار حظوظه تماما، كانت الاستطلاعات تتوقع حصوله على حوالي 70 مقعدا فسجل الأحد نيله حوالي 130 مقعدا. نال الاشتراكيون حوالي 33 مقعدا بما يؤكد أزمة الحزب وعلّته. استقال السكرتير الأول للحزب ودعا إلى تشكيل قيادة جماعية للحزب، فيما بدا أن حزب جان لوك ميلنشون، المصنف يساريا متطرفا، استطاع الاستفاقة من ضربات الجولة الأولى من الانتخابات والحصول على 27 مقعدا تخوله تشكيل كتلة نيابية يقارع بها خصومه.

المعارضة البناءة

غير أن الانتخابات الأخيرة كشفت عن انهيار اليمين المتطرف المتمثل بحزب الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان. تنافست لوبان وماكرون على أبواب قصر الإليزيه. حصلت لوبان في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية على حوالي 23 بالمئة من بين 22 مرشحا، وحصلت على حوالي 37 مليون صوت في الانتخابات النهائية لتلك الانتخابات. كان يفترض لهذا الانجاز الرئاسي أن يرى ظله داخل جدران قصر بوربون، مقر الجمعية الوطنية الفرنسية، غير أن حسابات الحقل الرئاسي لم تتطابق مع حسابات البيدر التشريعي، فلم ينل حزبها سوى 8 مقاعد لا تخوله تشكيل كتلة برلمانية تحتاج قانونا إلى 15 مقعدا، فاقدا بذلك إمكانات الحصول على ميزانية وحضور داخل المشهد البرلماني العام.

انتخابات الأحد في فرنسا شكلت رافعة أخرى للانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت في بريطانيا في 8 يونيو الجاري والتي اعتبرت هزيمة لحزب المحافظين ورئيسته تيريزا ماي

مازال المعلقون يتحدثون عن تسونامي ماكرون وإن كان هذا التسونامي أقل اجتياحا عما كان متوقعا. لا يجب التوقف عند الأرقام التي حققها حزب ماكرون وحلفاؤه فقط، بل تأمل ما يمتلكه رئيس الجمهورية الشاب داخل الأحزاب الأخرى، ذات اليمين وذات اليسار. يتحدث الخصوم عن أنهم معارضة، لكنهم يضيفون عبارة أخرى تكشف حجم اختراق ماكرون للتشكلات السياسية لدى الأحزاب التقليدية. كلمة سر هذا الاختراق هي “المعارضة البناءة”، أي تلك التي ستصوّت لصالح قوانين ماكرون طالما أنها تأتي “لمصلحة البلد”.

يندرج الإنجاز الذي تحقق في فرنسا رئاسيا وتشريعيا ضمن الحركة المعاكسة التي أوقفت المدّ الشعبوي في العالم منذ تصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو من العام الماضي، كما يندرج ضمن الانعطافة التاريخية المعاندة التي وقفت ضد الترامبية بصفتها حركة واعدة لإنهاء التاريخ بالطبعة التي شهدناها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

شكلت انتخابات الأحد في فرنسا رافعة أخرى للانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت في بريطانيا في 8 يونيو الجاري والتي اعتبرت هزيمة لحزب المحافظين ورئيسته تيريزا ماي رغم فوزه بالانتخابات وتفوقه على حزب العمال بقيادة جيريمي كوربن.

وتشكّل الانتخابات الفرنسية هذه رافعة مسبقة للانتخابات المزمع إجراؤها في ألمانيا في سبتمبر المقبل، والتي تتوقع استطلاعات الرأي أن تفوز فيها أنجيلا ميركيل لولاية أخرى.

على هذا تستعيد أوروبا أنفاسها، ويعيد الثنائي ميركيل-ماكرون تموضعه بقوة أمام الثنائي ترامب-ماي المنهك. وعلى هذا أيضا ينتظر أن يستعيد الاتحاد الأوروبي دورا دوليا بقيادة محور باريس-برلين قد يكون أساسيا لإعادة ترتيب العبث الذي ضرب الشرق الأوسط، ذلك أن مصالح أوروبا المتضررة من الإرهاب والهجرة باتت تتطلب تدخلا حيويا في الإطلالة على شؤون المنطقة التي لم يعد من الحكمة تركها لمزاجي واشنطن وموسكو.

نقلا عن العرب