طفرة في علاقات نيودلهي بدكا وكابول/عبدالله المدني


في الماضي كانت القوى العظمى هي التي تستخدم القروض والهبات والمساعدات الإنمائية لجذب الهند إلى تحالفاتها الإقليمية. أما اليوم، فيبدو المشهد معاكساً تماماً. وبعبارة أخرى صارت الهند هي التي تستخدم المعونات لتشكيل تحالفات في محيطها الاستراتيجي، هدفها الوقوف في وجه نوايا خصميها التقليديين الباكستاني والصيني.

حتى مطلع تسعينات القرن العشرين لم تكن الهند قادرة على الاضطلاع بهكذا دور، لأنها لم تكن تملك ما يغري الآخرين بالانخراط في فلكها. فخزينتها كانت خاوية، وصادراتها كانت تقليدية وغير قادرة على جلب ما يكفي من العملات الصعبة، وبوصلتها السياسية كانت موجهة نحو الاتحاد السوفييتي السابق باعتباره حليفاً استراتيجياً لا غنى عنه في الحالات والأزمات الحرجة مع بكين أو إسلام آباد. أما حركة عدم الانحياز التي أسستها وقادتها فقد تحولت مع المتغيرات الدولية إلى مجرد لافتة مفرغة من معناها، خصوصاً منذ أن تبين للساسة الهنود أنها عاجزة حتى عن تقديم دعم معنوي لبلدهم في أكثر من حدث كانت فيه الهند طرفاً.

لقد لوحظ منذ بعض الوقت أن الحكومة الهندية الحالية بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي تعمل على جبهتين، أولاهما الجبهة الأفغانية، حيث انعدام الاستقرار والفلتان الأمني والعمليات الإرهابية المدعومة من خارج الحدود والميليشيات المروجة للفكر المتشدد عبر استغلال حاجة البسطاء والمعدمين. أما الجبهة الثانية فهي الجبهة البنجلاديشية حيث الوضع لا يختلف كثيراً عن الوضع الأفغاني لجهة انتشار الفقر والأمية اللذين تستغلهما بعض الجماعات الدينية المتشددة لترويج أفكارها العنيفة، وبالتالي تجنيد الشباب للقيام بأعمال تضرب مقومات الدولة وأمنها وسيادتها.

ولما كانت الأوضاع الأمنية في هذين البلدين لها انعكاسات مباشرة على الهند، ولما كانت سياسات حكومة «مودي» تقوم على مبدأ أن الإرهاب والتطرف والخروج على الدولة لا ينجح إلا في المجتمعات الموبوءة بالفقر والقلق والإحباط واليأس، فقد سارعت نيودلهي إلى تقديم مساعدات إنمائية ببلايين الدولارات إلى حكومة أشرف غني في كابول وحكومة الشيخة حسينة واجد في دكا من أجل المساهمة في تحسين الأحوال المعيشية لشعبيهما وتوفير مختلف الخدمات ومرافق البنية التحتية، وأيضاً لتحقيق هدف آخر هو قطع الطريق على دول أخرى معادية أو منافسة للهند لبناء نفوذ في هذين البلدين، بل قام مودي بأكثر من زيارة لهذين البلدين المسلمين من أجل تقوية روابط بلده بهما.

فإذا أردنا استعراض ما قدمته نيودلهي لكابول منذ سقوط نظام «طالبان»، نجد أن حكومة «مودي»، أضافت الكثير إلى ما سبق أن قدمته حكومة سلفه من معونات، ورسخت الطبيعة الودية لعلاقات البلدين التي لم تتأزم قط إلا في عهد «طالبان»، وهكذا صارت الهند سادس أكبر مانح لأفغانستان منذ عام 2001 بسبب تقديمها نحو 2.3 مليار دولار في مجالات الاقتصاد والأمن وإنشاء البنى التحتية وتدريب آلاف الأفغان في المجالات المدنية والعسكرية والأمنية. من أهم المشاريع التي نفذتها الهند ولقيت صدى طيباً لدى الأفغان: طريق (زرنغ ــ دلارام) الرابط ما بين أفغانستان والهند عبر إيران؛ وسد سلمى الذي يـُعرف أيضاً باسم (جسر الصداقة الأفغانية ــ الهندية)؛ والمبنى الجديد للبرلمان الذي تكلف نحو 220 مليون دولار؛ إضافة إلى العديد من المدارس والمعاهد العليا والمستشفيات والمستوصفات وشبكات الطرق والإمدادات الكهربية وخطوط الاتصالات الهاتفية. ومؤخراً وافقت الهند من بعد تردد طويل، مرده عدم رغبتها في استمرار القتال، على الاستجابة لطلب من الحكومة الأفغانية لتزويدها بالسلاح. حيث من المقرر أن توفر الهند للجيش الأفغاني أربع مروحيات هجومية من نوع MI- 25، كمرحلة أولى تليها تلبية قوائم أخرى بالأسلحة المطلوبة.

أما فيما خص الاهتمام الهندي ببنجلاديش، فنجد أوضح تجلياته في الزيارة التي قامت بها رئيسة الحكومة الشيخة حسينة واجد إلى نيودلهي في مطلع الشهر الماضي، والتي تم على هامشها إجراء جولات من المحادثات حول مسائل الدفاع والطاقة والتجارة والأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، أثمرت في مجملها عن توقيع 22 اتفاقية ثنائية. ولعل أبرز هذه الاتفاقيات اتفاقية ائتمانية بقيمة 4.5 مليار دولار لصالح دكا لتطوير مشاريعها في مجالات البنية التحتية، واتفاقية قرض ميسر لبنجلاديش بقيمة نصف مليار دولار من أجل شراء معدات عسكرية (الأولى من نوعها بين البلدين)، واتفاقية للتعاون النووي في مجال الاستخدامات المدنية، ناهيك عن اتفاقيات حول التجارة البينية التي للهند فيها اليد الطولى بسبب ضخامة الاقتصاد الهندي وتنوعه وجودة منتجاته مقارنة بالسلع البنجلاديشية، إضافة إلى كون الهند أحد أهم مصادر الواردات البنجلاديشية (يأتي منها 12% من إجمالي الواردات سنوياً أو ما يساوي أكثر من مليار دولار).

والمعروف أن العلاقات البنجلاديشية ــ الهندية شهدت تحسناً ملحوظاً منذ عام 2015 حينما أنهى البلدان نزاعاً حدودياً بينهما بإبرام اتفاقية تم بموجبها تبادل قطع من الأراضي والجيوب الواقعة على حدودهما الدولية الممتدة بطول 4100 كيلومتر. والمعروف أيضاً أن حكومة «مودي»، على العكس من حكومة سلفه، جعلت من التعاون مع دكا وإغداق المساعدات الإنمائية والدفاعية عليها هدفاً لقطع الطريق على بكين التي برزت منذ سنوات كمزود للجيش البنجلاديشي بالدبابات والفرقاطات والمقاتلات ومنصات إطلاق الصواريخ (ومؤخراً الغواصات)، وأيضاً كهدف لترغيب حكومة دكا في التعاون البناء في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب العابر للحدود وملاحقة الجماعات الدينية المتطرفة والمتاجرين بالمخدرات والعقاقير والبشر.

نقلاعن العربیه