الإرهابي الأول في التاريخ/خالص جلبي

5066
كان ذلك الرجل مؤسس فرقة الحشاشين، كما جاء في كتاب أصدره الباحث الألماني «هاينتس هالم» بعنوان «الحشاشون.. تاريخ عصابة سرية». الجديد في الكتاب هو أن مؤلفه، الأستاذ بجامعة «توبنجن» الألمانية، قام بدراسة مفصلة محاولا فهم هذه الفرقة: من أين نشأت؟ وكيف تطورت؟ وما هي جذورها؟ وما علاقتها بكارثة «داعش» الحالية ومن قبلها «القاعدة» وما سيأتي من بعدهما؟

يقول البروفسور «هالم» إنه حاول دراسة تراثهم، والذهاب إلى قلاعهم، وسماع الشهود عنهم من آسيا الوسطى. فكثير من المعلومات حولهم احترقت على أيدي المغول الذين مسحوا كل أثر لهم عام 1256م.

وصِفوا كالتالي: فنّهم القتل، سلاحهم الخنجر، كانوا عشرات من رجال الدين والأمراء والسلاطين. قتلوا من وضعوه على لائحة الإعدام في خيمته أو في الحمام أو وهو معتلياً فرسه، أو يصلي في كنيسة.. ومارسوا السياسة بنصل الخنجر والدم.

لكن من أين نشأت هذه الفرقة؟ ومَن أسسها؟ هذا يعود إلى مشكلة الانشطار الشيعي السني حين وقع النزاع حول الأحقية في الخلافة واندلعت معركة صفين التي خرجت منها ثلاث فرق (بين شيعة وسنة وخوارج)، كل منها تدعي أنها الأحق بالخلافة.

ورأى الشيعة أن حق آل البيت في الحكم فوق المناقشة. وحين وصل التسلسل عند الشيعة إلى الإمام السادس جعفر، حصلت مشكلة حين توفي ولده الأكبر إسماعيل، لكن إسماعيل كان له طفل صغير، وعند هذا التفرع نشأت الفرقة الإسماعيلية، وعلى نحو سري نشأت طائفة تتبع سلالة إسماعيل، وامتد هذا التفرع من اليمن إلى الهند، ثم حصلت الطفرة العجيبة على يد حسن الصباح، الرجل الذي جاء من إيران وعاش في قلعة «آلاموت» (تعني عش النسر) لمدة أربعين عاماً يبث أفكاره، ويربي تلامذته على الطاعة. ومن قلعة «آلاموت» امتد نفوذ الفرقة إلى أربعين قلعة أخرى.

كان عصر اضطراب وعنف، كما هو حال الشرق الأوسط في أيامنا هذه. لكن لم يكن أحد ليضاهي الإسماعيليين في قسوتهم ودمويتهم ومهارتهم في الوصول إلى أهدافهم، حيث تذكر بعض المراجع أنهم كانوا يدخلون مخدع من يريدون قتله فيضعون جنب رأسه رسالة.

كانت أولى ضرباتهم الوزير الأول نظام الملك في دولة السلجوقيين. ونجا منهم صلاح الدين الأيوبي بإعجوبة، وكانت خطتهم لاغتيال أمير آذربيجاني أكثر من محكمة في 16/ 05/ 1116، حين فاجأ الأميرَ فدائيٌ أولَ فطعنه، فقاوم الموت وانتزع من أحشائه الخنجر، فقفز فدائيٌ ثاني من المجهول، وكرر الطعن، فهجم الحرس في وجه الاثنين، فإذا بثالث يكمل الطعنة الثالثة فيموت الأمير.

لم تأت نهايتهم إلا على يد من هم أشرس منهم، أي المغول في عام 1256، حين ضربوهم بالمنجنيق. يقول البروفسور «هالم» الذي درس أركيولوجيا المنطقة، إنه مازال في سفح قلعة «جيرد كو» بقايا من أنصال المغول، حيث يحلق إلى ارتفاع 300 متر جدار القلعة.

كانوا مثل السرطان، حيث انتشروا إلى سوريا (قلعة مصياف) التي رأيتها شخصيا، وذهلت من فخامة التحصينات، وقلت: كانوا دولة مخيفة! إنهم بالفعل كانوا كذلك.

لقد وقعت المنطقة بين مطرقة الصليبيين وكماشة الحشاشين. ويذكر «هالم» أن الملياردير «كريم آغا خان الرابع» هو الإمام 49 منهم، وهو يفضل اليوم نشر الثقافة ومسك مضرب الجولف أكثر من خنجر الحشاشة.

كان الإرهابي الأول حسن الصباح، أما سلالته الفكرية فهي موزعة بين خلق كثير في المعمورة، وليس البغدادي والجولاني وأضرابهم سوى سرب بسيط من سلالة الدم والقتل.
نقلا عن العربیه