هل نحتاج إلى قمة عربية؟/محمد قواص

4840
ما رأيكم ببركسيت عربي يشبه البركسيت البريطاني من أوروبا؟

لن تكون القمة العربية المقبلة في عمّان (29 مارس) حدثاً يشغل المواطنين العرب. الأمر بات تجمّعاً يشبه ذلك التي يحضره النجوم وتهتم لها كاميرات الصحافة كمناسبة استعراضية تأخذ حيّزا مملاً على صفحات الجرائد أو داخل نشرات الأخبار المتلفزة.

قمة عمّان كسابقاتها عرض لحال النظام السياسي العربي في نسخته العريضة. تسلّط المناسبة المجهر على علل النظام السياسي ومواطن الوهن في أدائه، كما تبرز حالة الانقسام والتناقض التي تفتك بما هو مفترض به أن يكون مسرحا للوحدة والتكامل والتنسيق والانسجام.

ورغم أن حبرا كثيرا سيسيل مُسهبا في تناول الحدث وتحليل تفاصيله، ورغم أن الأقلام سترصد المواقف وتناقضها وحكايات الحضور ومستوياته كما مبررات الغياب وتفسيراته، إلا أن للمراقب أن يتساءل عن مدى نجاعة استمرار مؤسسة جامعة الدول العربية في التعبير عن المشهد العربي الراهن، والذي يأخذ أبعادا مفككة تتنافى موضوعيا مع الفكرة التي أنشأت من أجلها.

والحقيقة أن الدول الأعضاء، في يومياتهم وهواجسهم وخططهم، قلما يلتفتون إلى جامعتهم العربية وقواعد العمل العربي المشترك. كما أن هذه الدول، جميعها، باتت مقتنعة عمليا بعدم جدوى هذه الجامعة ولزوميتها، كما عدم الاستفادة من واقع العضوية فيها، وهي المؤسسة الإقليمية التي شهدت النور في أربعينات القرن الماضي (1945) من أجل رعاية ما بات يعرف بـ “العالم العربي” في التسميات الجيواستراتيجية الدولية، أو “الأمة العربية” في الاستنتاحات الايديولوجية القومية التي افترضت أن هؤلاء العرب هم أمة واحدة.

ومع ذلك لم تنسحب أي من الدول الأعضاء ولم تبد تبرماً من هذه “البدعة” إلى درجة الطلاق. غير أن الدول الخليجية آثرت في بدايات عقد الثمانينات من القرن الماضي (1981) الالتفاف داخل “مجلس التعاون الخليجي” فارضة على العرب مسلّمة الخصوصية التي تميّز الخليجيين عن بقية “الأمة”، فيما لم تفلح بلدان المغرب الغربي في إقامة “اتحادها” الذي يحفر داخل جدار “الأمة” فرعاً يعزز التمايز عن أجندة المشرق العربي ودول وادي النيل.

على أن تفحصاً بنيويا جديا لنسيج الجامعة العربية قد يثبت أكثر فأكثر ويوما بعد يوم الطبيعة غير التكاملية للكيانات العربية. لكن الأدهى أيضاً أن نتيجة أي تقييم علمي عميق قد تخرج أيضا بمسلّمة ما تختزنه هذه الكيانات من قوة تمقت التآلف والاتحاد بالنسخة التي طمحت إليها أدبيات القوميين العرب وحلمت بها برومانسية ساذجة قراءة العروبيين في المنطقة. وربما أن الآفات التي كشف عنها “الربيع العربي” تُسقط بالجرم الشهود أي هذيان ينادي بالوحدة العربية وأي إدعاء بأن لهذه الأمة “رسالة خالدة”.

لم يعترف إيديولوجيو الوحدة العربية كما المؤسسون الأوائل للجامعة العربية بطبيعة المنطقة وطبائع السكان بها. أسقطت أدبيات “الأمة” الاختلاف داخل متن الجماعة، فلم تلتفت للهجات وعادات وطقوس وثقافات، كما أهملت الخصوصية التاريخية لشعوب المنطقة، لا بل نفت وجود شعوب أصلاً لصالح تقديس العرب بصفتهم شعبا واحداً لا فرق بين يمنييه وعراقييه وتونسييه، ولا خصوصية تفرّق أهل بيروت عن أؤلئك في الخرطوم ونواكشوط.

عرّت “ثورات” المنطقة منذ عام 2011 جسد الأمة المزعومة وكشفت عن “عوراته” التي تشكّل في الحقيقة أسس وقواعد تكوينه. تعرّف الغافلون عن واقع العرب على مشارب وتيارات وقبائل وأديان ومذاهب هذا “العالم العربي”. وإذا ما كان أمر العريّ الانتروبولوجي والاتنولوجي مطلوباً لتشخيص الحالة العربية، وبالتالي البحث عن سبل المقاربة الانجع لها، فإن النزوع إلى إنكار الحقيقة والتمسك بالأوهام راح صوب تمجيد الديكتاتويات بصفتها ظاهرة برعت بعبقرية فذّة في إخفاء معالم المجتمعات لصالح رواية الزعيم القائد والحزب الواحد.

لم تتفق القمم العربية، وبالتالي المنظومة السياسة العربية الجامعة، إلا على الإدلاء بدلو شعبوي في شأن فلسطين. أرسى العرب حدودا دنيا لتضامنهم في شأن ما كان يعرف بـ “قضية العرب الأولى”. تضامنوا بعد هزيمة حرب 67 درءا لخيبة تنال من أنظمتهم في الجملة والمفرق، واتفقوا أن “لا صلح لا مفاوضات لا اعتراف”، وتضامنوا بعد حرب 73 انسجاما مع ظروف الحرب، لكن قواعد السلم بعد ذلك شتتهم وأمعنت في تفرقهم.

انقسم النظام العربي في مقاربته لشأن الحرب العراقية الإيرانية ثم في شأن تلك التي خلفها احتلال عراق صدام حسين للكويت. وانقسم النظام العربي في مقاربة الشأن الفلسطيني منذ أوسلو كما شأن كامب ديفيد ووادي عربة. وانقسم النظام العربي في إطلالته على العالم في حقبة الحرب الباردة ولم يتفق بعد زوالها. ولم تفعل القمم العربية إلا تأكيد الانقسام وجعله مؤسساتيا متجذراً ودفع الوجدان العربي العام إلى التعايش مع الانقسام بصفته قاعدة يتواطأ الجميع على إغفالها واعتبارها عرضية مؤقتة زائلة.

وإذا ما كانت خطوط المحاور جلية واضحة في العقود الأولى لتشكّل جامعة الدول العربية بين ملكيين وجمهوريين أو بين “تقدميين” و”محافظين” وفق أبجديات الانقسام الدولي قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن محاور هذه الأيام كثيرة متحرّكة متجددة تقترب في طبيعتها من الانفلات الخليوي الذي تتسبب به السرطانات الخبيثة. ولئن تحافظ الملكيات العربية على حدّ أدنى من الانسجام والتنسيق، فإن خطوط التماس بين بقية دول “الجامعة” هي أقرب إلى مشهد حرب باردة تشتد حماوتها وتخف وفق مقاييس يومية غير متّزنة تتناسل من مفاعيل “ربيع” العرب وتتصل بكل التحوّلات الدولية والإقليمية الجارية.

ستعبّر قمة عمان في الدورة الـ 28 عن موقف عربي منقسم إزاء المسألة السورية كما مسألة العلاقة مع إيران، وستكشف القمة مرة أخرى تباينها الداخلي إزاء الصراع في ليبيا وذلك في اليمن. وقد لا تنجو القمة من إظهار ابتعاد الموقف المصري عن موقف الحلفاء في ملف التعامل مع نظامي دمشق وطهران، كما في مسألة التطابق مع نهج بوتين في المنطقة بانتظار جلاء نهج ترامب. ويكفي الاشارة إلى اقتراح بغداد بإعادة دمشق إلى عضوية الجامعة كما التناقض المصري الجزائري الخليجي في مقاربة الملف الليبي، كما موقف بيروت الملتبس بشأن سلاح حزب الله ونظامي الاسد في دمشق والولي الفقيه في طهران، للتدليل على جسامة الهوة التي تفصل الأمزجة العربية داخل ما هو مفترض أن يكون منظومة إقليمية جامعة.

قد يفهم من هذه السطور دعوة إلى هدم صرح عريق، هو المتبقي، في السعي التاريخي لتحقيق هذه الوحدة العتيدة بين ما وصف بأنه “أقطار” عربية. لكن ما نتوسله في عرض “الحالة” التي وصل إليها المشروع الوحدوي يروم الدعوة إلى إعادة عقلنة هذه الورشة وتخليصها من إرثها الإيديولوجي المتقادم كما نفض غبار الأداء المتهالك عنها. على أن في تلك المراجعة أسئلة تجانب الوجودية أكثر من العدم: من قال إن “الوحدة” مطلب العرب ومن جعل من تلك الوحدة دينا لا يجوز الكفر به؟ ثم كيف اتفق أننا في فسيفساء تركيبتنا الفريدة في هذا العالم يجوز علينا فقه الوحدة الذي يريدنا كتلة صماء واحدة لا ألوان لنا ولا سمات ترسم مشهدنا الكبير؟ ثم كيف اتفق أننا رفعنا من مستوى طموحاتنا إلى ما هو سياسي يزيل الحدود ويدمج الهويات ويصهر المتناقضات، ورحنا نقفز ببلاهة عما هو معيشي اقتصادي نتشارك به في المصالح والمنافع قبل أن نتشارك في المسار والمصير.

ستلتئم القمة العربية في عمّان بعد أسابيع على آخر قمة أوروبية في بروكسل. لم تحضر رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي أعمال القمة فهي تستعد لاطلاق قطار الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد أن حقق أرقى أشكال التكامل التي يمكن لتجمع إقليمي أن يحققه في العالم. وبغض النظر عن خطأ البركسيت البريطاني من صوابيته، إلا أن الأمر خاضع لنقاش الأوروبيين نخبا ومجتمعات، فمنهم من يدفع للتشبّه بالمثال البريطاني ومنهم من يتشبث بهذه التجربة ويدعو لتطوير أدائها وترشيق عملها.

بالمقابل يغيب هذا النقاش عن العرب، مواطنين وتيارات وأحزاب وحكومات، على نحو لا يعكس إلا عدم الاكتراث بواقع الجامعة ومستقبلها كما هامشية دورها داخل يوميات هذه “الأمة” المزعومة. فإذا ما غابت الجامعة هذه الأيام عن أي فعل يتعلق بسوريا وليبيا واليمن كما عن الصراع المتعلق بالصحراء الغربية بعد أن غابت عن أي دور يتعلق بالصراع العربي مع إسرائيل، فقد يكون حري التساؤل عن بقاء لزوم ما لا يلزم.

لم نسمع أن دولة عضو في جامعة الدول العربية قد هددت بالانسحاب من “جامعة العرب” احتجاجاً على تصدّع هذا البيت. ربما إن صدف أن حدث ذلك فقد يشكل ذلك صدمة الموت التي قد تستدرج حب البقاء.

نقلا عن: میدل ایست اونلاین