قابيل وهابيل في كوريا الشمالية/خالص الجلبي

4895
تسأل الملائكة في المراحل الأولى لتدشين الكون عن جدوى خلق الإنسان القاتل، وأول صراع بين أبناء آدم انتهى بجريمة قتل، حيث قتل قابيلُ هابيلَ، وفي كوريا الشمالية تكرر درس قتل الأخ لأخيه، فمع احتفالات الطوطم الكوري «كيم جونج أون» بذكرى ولادة والده «كيم يونج إيل»، أفزع العالم بإطلاق صاروخ بالستي متوسط المدى، من نوع «بوك جوك سونج2» قادر على حمل رأس نووي.

بعد أن انتهت حفلة الصواريخ بأيام قليلة أعقبتها خبطة لاحقة أدهى وأمر، حين نقلت الأخبار في نهاية فبراير 2017 م، أن أخاه غير الشقيق «كيم جونغ نام»، تمت تصفيته غيلة بالسم، على يدي فتاتين كانت إحداهما تلبس قميصاً مكتوباً عليه (LOL)، أي «أنفجر ضاحكاً بصوت عالٍ»، وهو ما كان، فقد انفجر الطاغية ضاحكاً في بيونج يانج حين نُقل إلى مسامعه خبر موت منافسه على العرش.. وهكذا كان البشر منذ فجر التاريخ، حيث يقص علينا القرآن نبأ ابني آدم حين رأى أحدهما أن حل الخلاف يكون بالقتل، فقتله فأصبح من الخاسرين ثم النادمين.

الحكم في كوريا الشمالية عند الرفاق أصبح ملَكيةً بامتياز، لكن دون التصريح بذلك، كما حصل في الجملوكيات العربية قبل انفجار «الربيع العربي». مملكة الرفاق، أو جمهورية المجاعة والخوف أسسها الجد «كيم إيل سونج» (1912 -1994). وبقدر انقطاع الكهرباء عن كل مملكة الظلمات، فإن تمثال الجد يطل على الجميع بأعلى ارتفاع في بيونج يانج، وهو مضاء طوال اليوم.
تم قتل «كيم جونج نام» في كوالا لامبور (ماليزيا)، وهو في طريقه إلى مخبئه في شبه جزيرة ماكاو في الصين مقابل جزيرة هونج كونج. الرجل كان موضع حب أبيه، وكان يناديه الحرس حسب توصية الوالد «الرفيق الجنرال»، وكان مهيئاً لحكم مملكة الظلمات التي ولدت بعد الحرب الكورية في خمسينيات القرن الفائت، فقد حكم الرفيق الخالد الجد كيم إيل سونج حتى مل منه كرسي الحكم، فخلفه من بعده كيم جونج إيل، الذي أنجب من الممثلة «سونج هاي ريم» ابنه «نام» المقتول غيلة بالسم، ومن الراقصة «كو يونج هوي» أنجب ابنه الطاغية الحالي «كيم يونج أون».

المسكين «نام» حاول انتقاد الأوضاع في حديث له مع الصحفي الياباني «يوجي جومي»، ثم حاول استعطاف أخيه من دون فائدة، فقد صدر حكم إعدامه ولو بعد حين. حاول «نام» أن يصمت وأن لا يصرح للصحافة بأي تصريح، لكن خوفه ازداد بعد إعدام العم «شانج سونج تايك»، عام 2013 وكان الرجل الثاني في السلطة.

يبدو أن العم وقع في الخطيئة الكبرى حين أشار على القيادة الصينية بوجود البديل المناسب لقيادة كوريا الشمالية، أي «نام» الذي يمكن الاقتداء بطريقة الصين في الانفتاح على العالم. هذه المعلومة القاتلة وصلت إلى السفاح وأشعرته بالخطر، فقضى على العم ثم ألحق به الأخ.

قصص الاغتيالات في إطار الصراع على السلطة كثيرة ومتكررة في التاريخ، والذي ينقل لنا من القسطنطينية في القرن الثالث للميلاد أن ميخائيل الثالث، حجر على أمه تيودورا فحبسها في دير، وقتل عمه بارداس، وأصبح سائس الخيل «باصيل» صديقه المقرب، فرفع درجته، وزوجه أخته، وأعطاه الألقاب والمال. لكن ماذا كانت النهاية؟ كان رأس ميخائيل الثالث على رمح يطوف به الجنود في شوارع العاصمة، وهم يهتفون: بالدم والروح نفديك يا باصيل!

نقلا عن العربیه