عن أي حركة وطنية تتحدثون؟/عبدالله المدني

4847
ليست لي أي علاقة، لا من قريب أو بعيد، بـ«مركز الجزيرة الثقافي». ولا أعرف أحدًا من رموزه، ولا علم لي بموقعه ونوعية نشاطه. ولم يسبق أن وطأت قدماي مقرّه. لذا أصابتني الدهشة والحيرة حينما رأيت خبرًا مصحوبًا بصورتي الفوتوغرافية في شكل ملصق يتداوله الأصدقاء والمعارف في مواقع التواصل الاجتماعي حول ندوة بالمركز المذكور تحت عنوان «الحركة الوطنية في البحرين.. إلى أين؟»، حـُددت الساعة الثامنة من مساء يوم الثلاثاء 7 مارس الجاري موعدًا لها، بمشاركة ثلاثة أسماء بحرينية هي: د. حسن مدن (الأمين العام السابق لجمعية المنبر الديمقراطي التقدمي)، والأستاذ يوسف زينل (النائب السابق في مجلس النواب)، ود. عبدالله المدني. إلى ذلك قال الملصق المذكور إن الندوة سوف يديرها الكاتب د. محمد الكويتي، ويعقب عليها الأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس تحرير صحيفة أخبار الخليج.

أما مصدر الدهشة فلم يقتصر فقط على اقحام اسمي في هكذا فعالية ونشر صورتي كمتحدث دون الحصول مسبقًا على موافقتي ورأيي، مثلما يقتضي العرف السائد، وأبسط أبجديات السلوك الحضاري، علمًا بأن مثل هذا التصرف يمكن الرد عليه بإقامة دعوى قضائية لولا أن كاتب هذه السطور لا وقت لديه لاتخاذ مثل هذه الاجراءات، ويفضل بدلاً من ذلك التركيز على أعماله الكتابية والبحثية.
لقد كان مصدر الدهشة أيضًا هو عنوان الندوة المثير للسخرية والحنق في آن. فعن أي حركة وطنية سيتحدث المنتدون؟ وهل بقيت هناك حركة وطنية في البحرين، كي نتساءل إلى أين تمضي؟
نعم، كانت هناك حركة وطنية في البحرين في الماضي زمن الحماية البريطانية، لكن حتى تلك الحركة تجاوزت أهدافها المحددة، وأخذتها الحماسة والشعارات العنترية وبحث قياداتها عن النجومية إلى الانشغال بقضايا بعيدة عن هموم البحرين والبحرينيين، فحكمت على نفسها بالفناء مبكرًا وحكمت على قادتها بالنفي كما هو معروف. لكن ما يحسب لتلك الحركة آنذاك أنها حافظت، على الأقل، على أغلى ما تملكه البحرين وهو وحدتها الوطنية ومجتمعها التعددي المنفتح البعيد عن الإقصاء والكراهية والتضييق الاجتماعي.

أما اليوم، فإن الكيانات التي تصف نفسها تارة بالحركة الوطنية، وتارة أخرى بالحركة الديمقراطية، لا علاقة لها البتة بالوطنية والديمقراطية. فمنذ أن وقف قادتها في الدوار المشؤوم في فبراير 2011 تحت يافطة «باقون حتى يسقط النظام» وهم متشابكو الأيدي، نــُزعتْ عنها صفة «الحركة الوطنية»، وصارت أقرب إلى «الحركة الانقلابية». فالوطني الحق، سواء أكان فردًا أو تنظيمًا، هو الذي يدافع عن كينونة وطنه ضد الأعداء والعملاء والمؤامرات الخارجية، بغض النظر عن موقفه من النظام الحاكم. وبكلام آخر فإن صفة «الوطني» لا يمكن إطلاقها على من أراد الشر لوطنه، ومن تحمس لمؤامرات الأعداء بهدف الاستيلاء على مقدرات الأمور فيه تمهيدًا لتحويله إلى وطن ذليل تلعب فيه الأصابع الإيرانية ويمزقه النفس الطائفي البغيض على نحو ما جرى ويجري اليوم في العراق الشقيق.

ويبقى السؤال الحائر: هل غاب عن مسؤولي مركز الجزيرة الثقافي الذين خططوا لندوة حول «الحركة الوطنية» المزعومة أن هذه الحركة ـ بنسختها الحديثة ـ مسؤولة عن جريمة لا تغتفر، ولن ينساها أبناؤنا وأحفادنا، ألا وهي جريمة تمزيق النسيج الوطني المتماسك عبر العصور والأجيال، بل والتسبب أيضًا في عنف لم يألفه البحرينيون المسالمون بطبيعتهم من قبل.
تحية لأهالي محافظة المحرق الشرفاء المجبولين على حب الوطن الذين ثارت حميتهم فتصدوا لندوة لا مسوغ لعقدها، كي لا نقول إنها مثيرة للفتنة، فضغطوا من أجل إلغائها. وتحية لمحافظ المحرق الشماء الأستاذ سلمان بن هندي الذي تجاوب مع مطالب أبناء المحرق الذين يدركون جيدًا أن من أوصدت الأبواب في وجوههم بحل جمعيتهم يحاولون اليوم العودة للمشهد السياسي من خلال نوافذ المراكز الثقافية.