إيران التاريخ والحضارة.. تحت سيطرة الولاية!؟/ عادل محمد

عصابات الزمرة الخمينية سيطرت على إيران بمساعدة الدول الغربية وبقيادة الولايات المتحدة، ودخلت إيران من باب الدين.

كانت الثورة الخمينية عام 1979 موجهة في المقام الأول ضد النظام الملكي، ولكن بعد نجاحها، بدت الحاجة الملحة إلى استحداث نظام سياسي جديد، يحول رجال الدين الإيرانيين، الذين قادوا الثورة، إلى سلطة سياسية حاكمة تقبض على جميع الأمور، لذلك تم إقرار نظام ولاية الفقيه.

في نظام ولاية الفقيه لا يكون الوزراء، بل وحتى الرؤساء أكثر من مجرد ممثلين يؤدون أدوارهم, وتقوم “دولة عميقة” تتكون من شبكة من الدوائر العسكرية – الأمنية، ورجال الدين المحيطين ﮨ”المرشد الأعلى”، باتخاذ القرارات الحقيقية. وتسيطر على إيران بواسطة ثالوث الجهل، القوة المفرطة، والقمع.

ولاية الفقيه التي تعتبر السلطة المطلقة، هي ليست إلا دمية وفزاعة الحرس الثوري ومثل الببغاء تتردد ما تملي عليه قادة الحرس الثوري!. لقد تم تطبيق ولاية الفقيه في إيران، بعد نجاح الثورة الخمينية في الإطاحة بنظام الملكي. وكان الدجال خميني أول مرجع ديني يتولى منصب ولاية الفقيه في إيران، حتى وفاته عام 1989، ليخلفه السفاح علي خامنئي.

نقرأ في مقال الكاتب والمحلل السياسي السعودي عثمان الروّاف: “إيران تحت حكم الملالي: من الثورة إلى الحرس الثوري”:

إذا ما تأملنا في التطورات السياسية التي أعقبت الثورة الإيرانية يمكننا أن نلاحظ مسألتين بارزتين: الأولى هي أن إيران وحدها من بين جميع الدول العربية والإسلامية تخضع لحكم الملالي (رجال الدين الإيرانيين)، والثانية هي أن إيران قد انتقلت تحكم حكم الملالي منذ بداية ثورتها وحتى الوقت الراهن من فترة وحالة الثورة إلى فترة وحاله الدولة، ثم إلى فترة وحالة الحرس الثوري.

لقد اهتمت أدبيات الفكر السياسي بدراسة الثورات قديمها وحديثها فقامت بتصنيف أنواعها وفسرت أسبابها وشرحت مشاكلها ونجاحاتها وإخفاقاتها، وتعاقب الفترات أو المراحل التي تأتي بعدها. وبالعودة إلى مسألة حكم الملالي في إيران أقول بأن هذا النموذج من الحكم يمثل ظاهرة جديدة في الدول العربية والإسلامية تنفرد بها إيران وحدها. صحيح أن رئيسا إيران الأول أبو الحسن بني صدر وما قبل الأخير محمود أحمدي نجاد ليسا من الملالي ولكن الأول حكم تحت هيمنة الخميني، كما خضع نجاد بدوره لإشراف ومباركة كبار الملالي المتشددين المدعومين من قبل الحرس الثوري الإيراني، وأن أساس وجوهر حكم الملالي في إيران ينطلق حقيقة من مبدأ (ولاية الفقيه) الذي يقوم عليه نظام الحكم في إيران. وكان هذا الأساس ومازال يطرح إشكالية كبيرة ويؤدي إلى خلق العديد من المشاكل في السياسة الإيرانية. وإذا تأملنا في وضع الدول العربية والإسلامية الأخرى نجد أن المشايخ ورجال الدين فيها يشكلون المرجعية الدينية، ويحاولون في نفس الوقت التأثير في السياسات العامة الداخلية والخارجية في دولهم ولكنهم لا يحكمون. وأما ملالي إيران فإنهم يسيطرون على حكم إيران بشكل كامل، فهم المرجعية الدينية والسياسية والعسكرية في إيران. ولهذا فلقد استخدم بعض المحللين السياسيين مصطلح (دولة الملالي) أو (حكم الملالي) عند الإشارة إلى إيران ولتوضيح اختلاف هذه الظاهرة الإيرانية الفريدة عن بقية الدول العربية والإسلامية يمكن أن نستشهد بوضع الأحزاب السياسية في بعض هذه الدول والتي دخلت لعبة السياسة وحكمت أحياناً بوصفها أحزاباً سياسية إسلامية، وليس بوصفها علماء أو مشايخ المسلمين. فلا الأزهر الشريف ولا غيره من مؤسسات المرجعية الدينية في الدول الإسلامية الأخرى حاولوا أو سعوا للوصول إلى الحكم في دولهم. وعندما حاول الأخوان المسلمون بمصر في ظل حكم مرسي أن يطبقوا الأطروحات الدينية لبعض مشايخهم واجهتهم العديد من المشاكل السياسية التي لم يتمكنوا من الصمود أمامها.
ولهذا تبقى ظاهرة حكم الملالي في إيران هي حالة فريدة في العالمين العربي والإسلامي ولا وجود لمثيل لها حتى في الدول والخلافات العربية والإسلامية القديمة. فليس لها وجود في الخلافتين الأموية والعباسية ولا في الدولة العثمانية أو في الأندلس ولا في الدولة الأيوبية أو دولة المماليك أو حتى في الدولة الفاطمية.
وبعد سقوط الشاه استمرت مرحلة الثورة وقراراتها لمدة عقد كامل من الزمن. فماذا حدث في هذه الفترة المعروفة (بإيران الثورة)؟ في السنة الأولى التي أعقبت انتصار الثورة. شهدت إيران صراع أجنحة وفصائل الثورة التي ضمت الإسلاميين بقيادة الملالي والليبراليين الديمقراطيين وعمال النفط اليساريين. ولأن ملالي الثورة ومن ورائهم الحشود الهائلة للجماهير كانوا هم القوة المهيمنة الفعلية في الثورة فلقد كان من الطبيعي أن يسيطر الملالي على حكم إيران سيطرة كاملة. ونجحوا في إقصاء زعماء الثورة الآخرين الذين لا ينتمون إليهم. كما قاموا باستبعاد حتى كبار الملالي المعتدلين الذين لم يوافقوا على كل مواقف وقرارات الثورة الحماسية والمتشددة، فلقد نجح الجناح الأقوى بالثورة الإيرانية في إقصاء جميع الأجنحة الأضعف فيها ومن إسكات جميع الأصوات المعتدلة في صفوف الثورة. وأثناء عملية السيطرة هذه شهد عام 1979 الكثير من عمليات السجن والقمع والقتل التي نفذتها بعض ميليشيات الثورة المتشددة، ولقد كانت سنة صراع الأجنحة والفصائل في إيران متشابهة لحد كبير مع احداث صراع الأجنحة الذي أعقب انتصار الثورتين الفرنسية والروسية، وغيرها من ثورات العالم الرئيسية. فالثورة الإيرانية بدأت تأكل بعضها وتأكل أبناءها فعلاً منذ بدايتها. وفي أواخر 1979 أصبح أبو الحسن بني صدر أول رئيس للجمهورية الإسلامية الإيرانية دون أن يكون من الملالي وذلك بسبب قربه من قائد الثورة الخميني الذي منع الملالي من تولي منصب رئيس الجمهورية حسب بعض التقارير، وكان بني صدر على أي حال ـ كما وصفه البعض ـ أقرب إلى الرئيس الشكلي من الرئيس الفعلي لإيران وذلك خلال فترة رئاسته القصيرة ـ حيث كانت القوة الفعلية بيد الخميني.
وإضافة إلى الانفلات الأمني وعدم الاستقرار السياسي الذي عرفته إيران أثناء عملية صراع الأجنحة على السلطة فإن أهم مشاكل سياسات (إيران الثورة) تضمنت على الصعيد الاقتصادي أولاً تطبيق ما عُرف بسياسة العدالة الاجتماعية التي دفعت بإيران نحو الاقتصاد الموجه بعيداً عن نظام السوق. ولكن سياسة العدالة الاجتماعية لم تنجح من جهة في تحقيق أهدافها المنشودة، كما أنها جاءت بنتائج سلبية على (البازار) الإيراني من جهة أخرى. وأما الإنفاق على الخدمات العامة والبرامج التنموية الرئيسية فلقد نقص كثيراً بسبب توجيه مصادر الدولة وإمكاناتها نحو المجهود الحربي بسبب ظروف الحرب مع العراق. وبصفة عامة فلقد تورطت (إيران الثورة) (1979-1989) بأربعة مشاكل رئيسية هي: حجز الرهائن الأمريكيين، والعمل على تصدير الثورة، والحرب مع العراق، وتسيس الحج.

5461

كما نقرأ في مقال الكاتبة الأردنية إحسان الفقيه “إيران تتآكل من الداخل.. هل من ثورة؟”:

استطاعت إيران التغطية على «الدَّخَن» الداخلي عن طريق ترسانتها الإعلامية المُطَوّعة في خدمة نظام الملالي، وعن طريق التحرك خارج الحدود في أكثر ملفات المنطقة سخونة، ومحاولات التمدد الإقليمي، فألْهت الداخل والخارج عن النظر إلى عوامل الانهيار التي تهدد الدولة الصفوية، وتُنذر باندلاع ثورة جديدة بلا عمائم. ويمكننا رصد هذه العوامل من خلال العناصر التالية:

* خفوت الشحنة الدينية:

يرى المفكر الكويتي عبدالله النفيسي أن الثورة الإيرانية حقنت الشعب بشحنة دينية فوق طاقته وطبيعته، تحمّلها الإيرانيون إبان الحرب مع العراق لتبرير المواجهة، إلا أن الإيرانيين اكتشفوا بعد الحرب أن الملالي ألبسوهم لباساً غريباً على طبيعتهم، فبدأ الباطن يزاحم الظاهر، وبدأ الشعب يظهر على طبيعته التي تُنافي التقيّد الديني.

فالشعب الإيراني كان أقرب للطبيعة الليبرالية، فجاءت الثورة محمّلة على نظرية ولاية الفقيه التي أعطتها قدسية، فرضت نفسها على مظاهر الحياة في الشارع الإيراني، ولم تُراعِ مبدأ التدرج، لكن النظام استفاد من تلك الشحنة للتعبئة لخوض الحرب مع العراق. وعلى رغم الحرص الإيراني الشديد على إظهار التدين، والذي يُلمح بوضوح في رحلات الطيران والتمثيل السياسي والديبلوماسي للمرأة الإيرانية (مُرضِية أفْخَم أنموذجاً)، إلا أن تلك المظاهر أشبه بالبروتوكولات، ولا يصحبها تدين حقيقي في إيران. ومن ثم تعتري إيران حالة من صراع الإرادات بين نظام الولي الفقيه الذي يفرض سلطته الكهنوتية، وبين شعب بعيد عن صبغة التدين، وهو ما ينذر بالثورة على نظام الملالي.

فإيران بها أعلى نسبة إدمان عالمياً، إذ بها أكثر من مليون و325 ألف مدمن حتى 2012، بحسب مؤسسة مكافحة الإدمان، وحوالى 2.5 في المئة ممن تزيد أعمارهم على 15 عاماً مدمنون، وبحسب «ويكيليكس» فإن الإيرانيين من أكبر مهربي المخدرات في العالم. وعدد المومسات في إيران يزيد على 300 ألف امرأة والعدد في تزايد مستمر، ولا يدخل في هذا العدد الزنا المقنّع والمسمى بزواج المتعة. كما أفادت تقارير سابقة أن الدعارة انتشرت بين تلميذات المدارس بنسبة 63.5 في المئة، إضافة إلى أن 75 في المئة من عدد السكان لا يُصلّون، وكلها مؤشرات لفشل الثورة الإيرانية في إصلاح المسار الاجتماعي، إذ اقتصر النظام على التعبئة لمعارك إقليمية تحت شعار ديني، في الوقت الذي ينطوي المجتمع على الخواء الروحي والانحراف الأخلاقي والسلوكي.

* اهتزاز نظرية الولي الفقيه:

وهي نظرية قديمة في التراث الشيعي، إلا أن الخميني ابتعثها بصبغة مغايرة مختلفة، نقلتها من الإطار الفقهي إلى الفضاء السياسي، ومنحت الولي الفقيه سلطة دينية وسياسية مطلقة.

نظرية الولي الفقيه كانت الفكرة المركزية التي جمعت الشيعة في جميع أنحاء العالم، ووجهت ولاء الغالبية العظمى منهم إلى إيران باعتبارها تضم الولي الفقيه، النائب عن الإمام الغائب وفق العقيدة الشيعية، وترتب عليه وصول «الخُمس» من شتى البقاع إلى «قم»، لإنفاقها في مصالح الحكومة الإسلامية التي جادت بها قريحة الخميني، الأمر الذي مكّن إيران من نشر نفوذها سواءً عن طريق القوة الناعمة، أم عن طريق العمل العسكري، والإنفاق على الميليشيات المسلحة الموالية لإيران في دول عربية عدة.

هذه النظرية قضت على التعددية الفقهية والدينية، وأنكرها العديد من المرجعيات الشيعية، وعلى رأسهم «شريعتمداري»، الذي كان قد منح الخميني لقب «آية الله»، وحين رفض أفكار الخميني، عُوقب بالسجن في بيته، وقُتل بمنع العلاج عنه.

وعندما زار الكاتب فهمي هويدي إيران، دوّن بعدها كتابه «إيران من الداخل»، وسجّل فيه مشاهداته، كان أبرزها رائحة الخلاف بين المرجعيات الكبرى حول النظرية من حيث مداها ونطاقها، وما إذا كانت تشمل نظام الدولة أم لا.

أما الوضع الآن فهو انقسامي، بين قلة تتبع ولاية الفقيه وتتحكم بمؤسسات الدولة الصلبة كالحرس الثوري والاستخبارات والمالية…، وبين كثرة ترفض نظام الولي الفقيه، وهو ما يكسر حاجز تقديس النظام، ومن ثم يُمهد الطريق لتثوير الشعب الإيراني.

* اتساع رقعة التيارات المعارضة:

الثورة الإيرانية جاءت بمشروع قومي فارسي صفوي مُحمّل على رأس طائفي، وذلك البعد القومي يمتزج بنظرة شعوبية، ترى أفضلية القومية الفارسية على من عداها، وتحوي الجمهورية قوميات مختلفة لم يتم استيعابها وتوظيفها لصالح الأمن القومي الإيراني، وتعاني من وطأة الاضطهاد والإذلال والإقصاء الفارسي، الأمر الذي خلق حالة دائمة من الغليان وصلت حدّ الصراع المسلح.

فهناك حركات التحرر في الأحواز وخراسان وأذربيجان وبلوشستان، والمقاومة التركمانية والكردية، وأحزاب معارضة في الداخل، ومعارضة إيرانية قوية في الخارج، أبرزها حركة مجاهدي خلق، وكلها حركات رافضة لولاية الفقيه تتسع دائرة تأثيرها، وربما بتكثيف التنسيق بينها، يمكن لهذه الحركات إحداث تغيير جذري في إيران، وتحريك الشعب للإطاحة بالنظام، خصوصاً إذا استثمرت الدول العربية تلك الأوضاع ودعّمت تلك الحركات التحررية. واعتبرت رئيسة منظمة «خلق» الإيرانية المعارضة «مريم رجوي» أن الظروف الراهنة تشبه الانتفاضة الشعبية ضد النظام في 2009، عقب تزوير الانتخابات الرئاسية والتضييق على المنافسين الإصلاحيين وقمعهم.

* الأزمة الاقتصادية:

تمويل إيران للحرب في العراق واليمن وسورية، والإنفاق على ميليشياتها وأذرُعها بالدول العربية، الذي يصل حجمه إلى 30 بليون دولار سنوياً، وسعيها الدائم للتمدد الإقليمي، ولعِب دور في المنطقة يفوق حجمها بمراحل، لا شك أنه أرهق الخزانة الإيرانية، إذ جاء على حساب الشعب، بخلاف ما يعتقد الكثيرون من أنّ المواطن الإيراني يتمتع بحياة كريمة ورغد من العيش، إذ إن 25 في المئة من الإيرانيين يعيشون في منازل من الصفيح، و44 في المئة منهم يعيش تحت خط الفقر حتى 2012، وأعلن البنك المركزي الإيراني أن نسبة التضخم خلال (2012-2013) بلغت 25 في المئة، وارتفعت نسبة البطالة في 2012 إلى 12.6 في المئة، كما أن ظاهرة «بيع» الأطفال في تزايد مستمر، بل وصل الأمر إلى عمل مزادات لبيع الأطفال قبل ولادتهم، وهو ما صرّحت به مساعدة الرئيس روحاني لشؤون المرأة والعائلة «شهيدنخت مولاوردي» في حزيران (يونيو) الماضي، إذ قالت: «تجارة بيع الأطفال أخذت أشكالاً مختلفة في إيران، ومن ضمنها بيع الأطفال في الرحم قبل الولادة».

* نظام قمعي:

الفرق بين الشاه والخميني عمامة سوداء، هكذا يرى كثير من الإيرانيين، فكانت مجانية الخدمات والمرافق وحرمة الضرائب والكرامة والحرية، شعارات رفعها الخميني إبان الثورة، فجاء الملالي إلى السلطة وفرضوا الضرائب الباهظة، واستحوذوا على ثروات الشعب، وقمعوا حريته، واشْتُهر لدى الإيرانيين أنهم يقولون ما يريدون، بينما السلطة تفعل ما تريد.

وتمـارس الأجهــــــزة الأمنيــــة والاستخباراتية ألوان البطش ضد الشعب الإيراني، لاسيما القوميات غير الفارسية، وصل الأمر إلى هجرة الملايين فراراً من القمع، وكشفت تحقيقات غربية عن ارتداد نسبة كبيرة من الإيرانيين عن الإسلام، بسبب تنكيل نظام الولي الفقيه بالشعب، وأحكام الإعدام العشوائية التي تُنفّذ بحق عرب الأحواز وغيرهم خير شاهد.

إيران تتآكل من الداخل، وعوامل الثورة متوافرة، وكثُرت التنبّؤات بسقوط نظامها، أو ربما تؤول الأوضاع إلى التقسيم، إلا أن قوة وتماسك النظام الإيراني قد يؤخران ظهور تلك النتائج.

———-