عون في مصر والأردن: بحث عن قواعد التعامل مع دمشق وطهران/محمد قواص

يقف لبنان وسط معادلة سياسية ليس من السهل تجاوزها لارتباطها بأجندات أقحمت البلد في صراعات داخلية وإقليمية كان بمنأى عنها، وكادت تفقده حظوته العربية، لكن خط الزيارات الرسمية الأولى للرئيس ميشال عون سطر ملامح جديدة أعادت الثقة في عروبة لبنان. وتأتي زيارة عون إلى القاهرة وعمّان لترسم دائرة حماية عربية محكمة كانت نقطتها الأولى زيارته للرياض والدوحة التي كشفت عن نظرة دفاعية جديدة لحماية لبنان من الاصطفاف والاستقطاب، من خلال قرار تأكيد الدعم اقتصاديا وسياسيا وسياحيا ودبلوماسيا.

4724

القاهرة تدرك خصوصية العجينة اللبنانية

أن يزور الرئيس اللبناني ميشال عون مصر والأردن بعد زيارتيه للسعودية وقطر فإن ذلك يفتح للرئيس اللبناني أبوابا عربية كانت مغلقة أيام الوصاية السورية أو كانت شروط طرقها مدجّنة وفق مزاج الحاكم في دمشق. ولئن تعايش النظام السياسي اللبناني قبل انسحاب القوات السورية من لبنان مع قدر أن يكون لبنان تابعا في إطلالاته الخارجية لأجندة السياسة الخارجية لدمشق، فإن علاقة لبنان مع العالم العربي بعد هذا الانسحاب بقيت مربكة خاضعة لقواعد الاصطفافات التي قاربت أن تكون احترابا داخليا بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

يكتشف الرئيس اللبناني في زياراته العربية، كما في زيارات العرب إليه، أهمية لبنان داخل الوجدان العربي بوجهيه الرسمي والشعبي. ويكتشف اللبنانيون أنفسهم، أن لبنانهم الذي لطالما تقاتلوا في حبه وفي قولبته وفق أهوائهم، هو جزء أصيل من مشهد العرب أنفسهم. فإذا ما كان للخليجيين لبنانهم فإن لأهل المغرب العربي ووادي النيل والمشرق العربي لبنانهم، وإن حرص المحيط العربي على سلامة لبنان وديمومة التجربة اللبنانية هو حرص في الوقت عينه على سبيل عيش وفلسفة تعايش يودّ العرب صونها رغم تعقد قواعدها.

ولا يمكن الجزم حتى الآن في ما إذا كانت زيارات الرئيس العربية متأسّسة على نهج متعلق بطبيعة الكيان اللبناني وبيئته الحقيقية في العالم أم أنها مجرد تمارين تواصلية يمارسها رئيس البلد مع عواصم العالم، والعربية منها. وفيما يتأمل اللبنانيون كل شاردة وواردة تصدر عن الرئيس عون في مناسبة العلاقات مع الدول العربية ومدى تناقضها أو توازنها مع العلاقة الملتبسة مع إيران، فإن رجل بعبدا القوي يزن كلماته بدقة في مقاربة ذلك التوازن على نحو قد يتفهمه اللبنانيون دون أن يرتاح له كثيرا حلفاء دمشق وطهران.

اطلع الرئيس اللبناني في الرياض والدوحة على مزاج خليجي يكاد يكون واحدا لجهة دعم لبنان-الدولة ومواكبة صلابة اقتصاده. جاء وزير الدولة للشؤون الخليجية السعودي ثامر السهبان قبل أيام، ولعدة أيام، يجول على بيوت السياسة في لبنان مبشّرا بعودة الرياض لتلعب دورها التقليدي والتاريخي في البلد. لا يقرّ السبهان بأنه كان هناك خروج لتكون هناك عودة، لكن اللبنانيين اهتزت أبوابهم حين أدار السعوديون الظهر للبنان واللبنانيين عتبا على غياب ودّ لم تظهره بيروت استنكارا لما تعرضت له مقرّات المملكة الدبلوماسية في إيران.

يعود الخليج إلى لبنان، يعلن المبعوث السعودي عودة السياح السعوديين، وربما المستثمرين، ما يعني عودة الخليجيين جميعا. لا يخرج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني، وبالتالي فإن في العودة الخليجية مواجهة أو تعامل مع أمر واقع يروم عدم ترك لبنان محتكرا للرعاية الإيرانية. وقد يهمّ الرئيس عون أن تمثل إطلالة الخليجيين على بلاده رعاية لعهده وتدعيما لحكمه، وبالتالي تسليحه بأوراق تخرجه من دائرة الشروط التي فرضتها “ورقة التفاهم” الشهيرة بين حزبه وحزب الله.

ولئن يعكس الموقف السعودي مناخ الصفقة التي عقدها الرئيس سعد الحريري والرئيس ميشال عون للخروج من الفراغ الرئاسي، فإن الرئيس اللبناني يحمل هذه المرة إلى القاهرة وعمّان قرار الرعاية السعودي- الخليجي، بحيث تُقبل بيروت على العاصمتين متسلحة بسقف عربي متين.

ما سيطلع عليه عون سيدفعه إلى تموضع آخر يبدل من مواقفه الأخيرة، التي اعتبر فيها أن لا بديل للأسد في دمشق، ولا بديل لسلاح حزب الله للدفاع عن لبنان

مصر.. المحطة الرئيسية الثانية

يعرف اللبنانيون مكانة مصر داخل تاريخ كينونة بلدهم. يتذكرون أن القاهرة أدركت خصوصية العجينة اللبنانية منذ أن ارتأى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أن يلتقي في ستينات القرن الماضي بنظيره اللبناني آنذاك، فؤاد شهاب، على الحدود اللبنانية السورية ويعقد معه صفقة أعادت للبنان سلما داخليا وأقرت لبيروت خصوصية تتيح تجنيبها اختلالات تنفخ من محيطه. ويتذكرون أن غياب القاهرة عنهم روّج لاحترابهم الأهلي ولاستسلامهم لاحقا إلى سلطة دمشق وحدها.

يلتقي عون والوفد المرافق في القاهرة برأس الدولة وأركانها، لكنهم يلتقون برأسي الكنيسة والأزهر وكأن الأمر من اختصاص اللبنانيين وعادتهم في العيش. وفي هذا التماس المطلوب من جديد بين بيروت والقاهرة استدراج ذاكرة لدى البلدين عمّا جمعهما في السياسة والثقافة والصحافة والموسيقى، وجعل من حكاياتهما كتابا واحدا تفتح صفحاته من القاهرة تارة ومن بيروت تارة أخرى.

لم تخرج مصر من محنتها الداخلية. لم تعد مصر بعدُ إلى لعب دور أساسي مفصلي يليق بحجمها التاريخي الشهير. لكن الرئيس اللبناني يلمس في زيارته للقاهرة أنها العاصمة الوسطية المتحللة من الاستقطابات الإقليمية الحادة في مسائل العلاقة مع إيران أو تلك، وهنا الأهمّ، المتعلقة بتناول الشأن السوري. تفهم القاهرة موقف الرئيس اللبناني وحرجه لتحرّي نقطة توازن من هذه المعضلة، وربما أن عون سيستمع جيّدا لتجربة نظيره المصري الرئيس عبدالفتاح السيسي في كيفية العزف والخروج بأنغام تصون مصلحة بلده داخل بيئة دولية تعجّ بالتحولات الكبرى المقلقة.

عون يلتقي في القاهرة برأس الدولة وأركانها، لكنهم يلتقون برأسي الكنيسة والأزهر وكأن الأمر من اختصاص اللبنانيين وعادتهم في العيش

الأردن يكمل النصاب

بين مصر والأردن خطوط تواصل هي أشبه بحبال التحالف. تكثر القواسم المشتركة بين القاهرة وعمّان، وربما ليس صدفة أن الرئيس اللبناني اختار أن يزور البلدين في وجبة واحدة وكأنه يؤكد خامة مشتركة يودّ عون استكشافها في الوقت عينه. تريد القاهرة حلا سياسيا في سوريا يكاد ينسجم مع رؤى موسكو، ويبدو الأمر كذلك بالنسبة إلى عمّان.

أعلن قائد الأركان الأردني، قبل أسابيع في تصريحات مفاجئة، عن تنسيق دائم مع دمشق نافيا أي خطط ضد النظام السوري، فيما تؤكد زيارة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الأخيرة إلى موسكو مواكبته للمقاربة الروسية واتساقه مع خطوطها.

وإذا ما كانت القاهرة وعمّان تمثلان صوتا وسطيا مختلفا في شأن الأزمة السورية، فإن الرئيس اللبناني قد يعتبر أمر ذلك مقياسا بحيث لا يذهب أيضا كثيرا في اقترابه من دمشق وهو الذي لا يعاديها، تماما كما هو موقف القاهرة وعمّان. لكن أهمية الزيارة للأردن، إضافة إلى خصوصية العلاقات بين الأردن ولبنان التي ساهم بها مزاج النظام السياسي وأجهزته، تكمن في أن الرئيس اللبناني يجري محادثات مع عاهل البلاد، وهو الزعيم العربي الوحيد حتى الآن، الذي التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

يحتاج الرئيس اللبناني أن يطلع عن كثب على ما تخطط له الإدارة الأميركية الجديدة. فعمّان التي تتخذ موقفا وسطيا معتدلا في شأن سوريا وتقوم طائراتها بضرب مواقع داعش في ما وراء حدود سوريا الجنوبية، وتعلن في أستانة انخراط فصائل المعارضة السورية في الجنوب في اتفاق وقف إطلاق النار، تؤسس استراتيجيتها هذه، في المقابل، على موقف معاد للسياسات الإيرانية في المنطقة، وهو موقف قديم منذ تحذير العاهل الأردني الشهير من “الهلال الشيعي”، كما أنه موقف يتّسق هذه الأيام مع سياسة واشنطن الجديدة ضدّ طهران.

سيفهم الرئيس اللبناني من نظيره الأردني ما استنتجه هذا الأخير من جولته على أركان الإدارة الأميركية في واشنطن، واجتماعه مع الرئيس ترامب عمّا تخططه الولايات المتحدة ضدّ إيران. ولا ريب أن الرئيس عون سيستمع بشغف ودقة لأن لذلك الضجيج الأميركي الصاخب في هذا المضمار أصداء مباشرة في البلد الذي سيعود إليه. وربما أن ما سيطلع عليه سيدفعه إلى تموضع آخر يبدّل من مواقفه الأخيرة، التي اعتبر فيها أن لا بديل للأسد في دمشق، ولا بديل لسلاح حزب الله للدفاع عن لبنان.