ترامب: الشريف الجديد/هشام ملحم

يواصل الرئيس دونالد ترامب تحديه للأعراف والمسلمات الدبلوماسية التقليدية في تعامله مع عالم يعتبره غير آمن وفي حالة فوضى. ومع مرور كل يوم يدرك الأميركيون، ومعهم العالم أن ترامب لم يأت ليكمل بل لينقض، لم يأت ليبني على ما أسسه أسلافه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من أحلاف وعلاقات وصداقات والتزامات، بل لتقويض ما يستطيع تقويضه وربما تعديل ما يمكن أن يبقى ولإقامة علاقات وأحلاف مختلفة. ترامب، بعكس أسلافه لا يرى أن هناك صداقات وأحلافاً دائمة مبنية ليس فقط على مصالح مشتركة بل قيم مشتركة، ومفهومه القديم-الجديد “أميركا أولا” مبني على انعزالية نسبية تسعى لصفقات ثنائية تضمن مصالح أميركا الاقتصادية الآنية، ودون الاعتماد على علاقات بنيوية متشعبة تضع المصالح الاقتصادية في سياق سياسة متكاملة مبنية على أسس سياسية- قيمية- ثقافية ثابتة كما كان الحال عليه خلال السبعين سنة الماضية في علاقات الولايات المتحدة مع شركائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي. أسباب بقاء الناتو حلفا عسكريا ناجحا حفظ السلام في أوروبا لأطول فترة في العصر الحديث عديدة ولكن أبرزها كان أنه مبني على قيم ومسلمات سياسية واقتصادية وفلسفية وثقافية مشتركة.

4591

ويبدو أن هذه الأسس لا تعني الكثير لترامب والمقربين منه. بهذا المعنى يمكن اعتبار ظاهرة ترامب، ظاهرة انقلابية بامتياز لم تشهد مثلها الولايات المتحدة في تاريخها. أحد أبرز المسؤولين المؤثرين في إدارة ترامب الجديدة، ستيفن بانون الذي كان رئيسا لتحرير موقع برايتبارت الإلكتروني اليميني المتشدد، كان يفاخر بأنه “لينيني” يسعى لقلب الأوضاع السياسية في البلاد رأسا على عقب، وهو مثل ترامب ينظر بريبة الى مجمل المؤسسة السياسية التقليدية في واشنطن بشقيها الجمهوري والديمقراطي. ووفقا للتسريبات الصحفية وتصريحات المسؤولين فإن ستيفن بانون هو العقل المدبر الذي وقف وراء القرارات التنفيذية العديدة والمثيرة للكثر من الجدل والاستهجان التي يوقعها ترامب يوميا تقريبا، لا بل ساهم في صياغة عدد منها، بما في ذلك القرار المتعلق بالحظر المؤقت لدخول رعايا سبع دول ذات أكثرية مسلمة، ووقف قبول أي لاجئين من سوريا. ستيفن بانون يرى أيضا أن هناك صراعاً بين الإسلام والغرب، وهو يلتقي مع ترامب في انتقاد الدول الأوروبية وتحديدا ألمانيا لقبولها مئات الآلاف من اللاجئين السوريين وغيرهم. وكان بانون في برامجه الإذاعية قبل الالتحاق بحملة ترامب يعارض استقبال اللاجئين من غير الأصول الأوروبية.

وموقع برايتبارت معروف بنشره لمقالات تنضح بالتعصب والعنصرية. وهذا قد يكون من بين الأسباب التي تجعل اليمين المتشدد في الولايات المتحدة، كما في أوروبا ينظر الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أنه القائد المسيحي الأبيض الأخير الصامد في أوروبا في وجه ما يعتبره هؤلاء موجة بشرية مسلمة تهدد الغرب المسيحي. وهذه الأوساط لا تخفي إعجابها “بنجاحات” بوتين العسكرية ضد التنظيمات الإسلامية المسلحة من القوقاز إلى سوريا.

وإذا أضفنا إلى ذلك، نرجسية ترامب الصارخة، وأسلوبه في التعامل مع الناس والذي يتراوح بين المباشرة والفظاظة، وتكتيكه التفاوضي المبني على صدم الطرف الآخر بطروحات أولية طموحة ومبالغ بها وإن كانت قابلة للتعديل لاحقا، عندها نبدأ بفهم أسباب تأزيمه لعلاقات الولايات المتحدة مع حلفائها التقليديين مثل جارتها الجنوبية المكسيك، والحلفاء الأوروبيين وأخيرا أستراليا. توقيع ترامب على قرار تنفيذي لبدء العمل في بناء الجدار على الحدود مع المكسيك (والذي يريد ترامب من المكسيك أن تتحمل نفقاته) قبل أيام من زيارة رئيس المكسيك لواشنطن، اعتبرته المكسيك مهينا ولذلك قرر الرئيس أنريكي بينيا نييتو إلغاء زيارته والاكتفاء في هذه المرحلة على الأقل بمكالمة هاتفية. وكشفت وكالة الأسوشييتد بريس أن محضر المكالمة الهاتفية يبين أن ترامب هدد بإرسال الجيش الأميركي لوقف المشاكل التي تتسبب بها بعض العناصر التي لم يذكرها بالاسم (وإن يعتقد أنه كان يتحدث عن عصابات تهريب المخدرات). وقال ترامب للرئيس بينيا نييتو “لديك مجموعة من الرجال السيئين هناك، وأنت لا تقوم بما فيه الكفاية لوقفهم. أعتقد أن جيشكم خائف، ولكن جيشنا ليس خائفا، وربما أرسلته إلى بلادكم لحل المشكلة”. السلطات المكسيكية نفت ذلك، ولكن موقعا إلكترونيا مكسيكيا نشر خبرا مماثلا.

وكشفت صحيفة واشنطن بوست أن المكالمة الهاتفية التي أجراها ترامب مع رئيس وزراء أستراليا مالكولم تيرنبل يوم الجمعة الماضي اتسمت بالحدة وأن ترامب قطعها في نصفها بسبب استيائه من اتفاق وقعته إدارة الرئيس السابق أوباما مع أستراليا قبلت بموجبه استقبال 1250 لاجئ. وأضافت الصحيفة أن ترامب تبجح خلال المكالمة بحجم فوزه في الانتخابات، ولكن بعد أن توتر الجو بين الرجلين، قال ترامب لتيرنبل إنه تحدث في اليوم ذاته مع 4 قادة آخرين من بينهم الرئيس فلاديمير بوتين، ولكن “هذه المكالمة هي الأسوأ بكثير”. وتعتبر أستراليا من أهم حلفاء أميركا خارج القارة الأوروبية، حيث هناك تعاون عسكري واستخباراتي وثيق بين البلدين وشراكة تجارية هامة، عدا عن أن أستراليا قاتلت إلى جانب أميركا في معظم حروبها من فيتنام إلى أفغانستان ونهاية في العراق. تعامل ترامب المهين مع قادة دول حليفة مثل المكسيك وأستراليا يذّكر بأسلوب تعامله مع منافسيه الجمهوريين خلال الانتخابات الحزبية، ومع من يعتبرهم خصومه من الإعلاميين، أي توجيه الإهانات الشخصية لهم إذا تجرأوا على رفض مطالبه أو تحدوه.

التحذير الأميركي الأخير لإيران الذي وجهه مستشار الأمن القومي الجنرال المتقاعد مايكل فلين، وقال فيه إن إدارة الرئيس ترامب وجهت تحذيرا رسميا لإيران، أثار الكثير من الأسئلة، حول الأسلوب الذي تم فيه توجيه التحذير، وما إذا كانت هناك خطة عسكرية-اقتصادية-سياسية للرد على إيران في حال استأنفت أعمالها الاستفزازية. وكان فلين قد قرأ بيانا رسميا استنكر فيه إجراء إيران لتجارب صواريخ باليستية في انتهاك لقرارات مجلس الأمن، وقيام الحوثيين في اليمن الذين تسلحهم إيران بإطلاق الصواريخ على سفن البحرية السعودية والإماراتية، معتبرا ان ذلك يسبب خطرا على مصالح الولايات المتحدة وأصدقائها. الإنذار جاء قبل تصديق مجلس الشيوخ بساعات على تعيين ريكس تيليرسون وزيرا للخارجية، وفي الوقت الذي كان فيه وزير الدفاع جيمس ماتيس في طريقه إلى آسيا. وقالت مصادر إن قائد القيادة المركزية المسؤولة عن القوات الأميركية في الشرق الأوسط لم يكن يعلم مسبقا بالإنذار، وقال مسؤول في الخارجية إنه تم إطلاع الوزارة على الإنذار قبل إصداره ولكن البيت الأبيض لم يناقش الإنذار مع الوزارة خلال صياغته. وإضافة إلى استنكار التجارب الصاروخية وهجمات الحوثيين، انتقد فلين الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد، معتبرا أنه “ضعيف وغير فعال”. ولكنه لم يقل كيف ستتعامل إدارة ترامب مع الاتفاق. ومن المستبعد أن يكون الإنذار قد نوقش مسبقا مع قادة الدول الأخرى الموقعة على الاتفاق الدولي. وحتى الخبراء والمحللين العسكريين الذي وافقوا على أن استنكار الأعمال العدائية لإيران مطلوب ومبرر، إلا أنهم استغربوا انتقاد الاتفاق النووي – الذي كان الوزير ماتيس قد قال إن واشنطن يجب أن تبقى ملتزمة به – بهذه النبرة القوية والعلنية، وخاصة إذا لم يكن هناك تنسيق مسبق مع حلفاء واشنطن. وحتى الذين يوافقون على التصدي لإيران، تساءلوا عن أسباب تأزيم العلاقات مع الحلفاء، وانتقاد إيران، ولكن في الوقت ذاته تجاهل التحركات العسكرية الروسية العدائية في شرق أوكرانيا والتي نتج عنها قتل وجرح العشرات في الأيام الماضية.

ويعتقد بعض المحللين العسكريين أن الإنذار لإيران، يهدف بالدرجة الأولى إلى تنبيه إيران بشكل مباشر بأن إدارة ترامب لن تتصرف تجاهها كما تصرفت إدارة الرئيس أوباما، وأن هناك شريفا جديدا في البلد اسمه دونالد ترامب، سوف يتعامل بحزم حتى مع أصدقاء أميركا التقليديين مثل المكسيك وأستراليا، كما يريد أن يوقف الفوضى التي تخلقها إيران في المنطقة وأنه يعتزم “تنظيفها” كما يفعل عادة الشريف الجديد في أفلام رعاة البقر (الكاوبوي) عندما يعين في مدينة تعم فيها الفوضى والذي يوجه للعناصر السيئة فيها إنذارا يأتي على شكل: انتبهوا، هناك شريف جديد في المدينة.
ولا أحد يعلم ما إذا كان الرئيس ترامب ومساعدوه في البيت الأبيض يدركون أن العالم المعقد في القرن الحادي والعشرين، يختلف جذريا عن بلدة دودج رمز الفوضى في الغرب الأميركي والأصح في الغرب الخيالي الأميركي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

نقلاعن العربیه