في أفغانستان.. «اللي اختشوا ماتوا»/عبدالله المدني

4399
«اللي اختشوا ماتوا» مثل مصري متداول منذ القرن التاسع عشر، ويطلق على الذين لا يخجلون في أقوالهم وأفعالهم، إلى درجة يصح معه القول إن الاشخاص الذين كانوا يخجلون ويحترمون أنفسهم قد ماتوا ولم يبقَ منهم أحد.
هذا المثل ينطبق اليوم على جماعة طالبان التي ارتكبت من الحماقات والاعمال المشينة بحق الانسان الافغاني ما يندى له الجبين خلال فترة حكمها الاسود لافغانستان التي امتدت من عام 1996 إلى عام 2001، سواء لجهة كبت الحريات وتحريم السفر والعمل والتعليم والرسم والتصوير والغناء والموسيقى وحلق اللحية وارتداء الملابس الغربية والاستماع الى الراديو ومشاهدة الأفلام وغيرها، أو لجهة استخدام العقوبات الوحشية بحق المخالفين من تلك التي تراوحت ما بين الجلد والرجم في الساحات العامة والإعدام رميًا بالرصاص، والدفن تحت التراب حيًا، أو لجهة توفير الملاذ الآمن والدعم لحركات إرهابية متطرفة كتنظيم القاعدة تحديدًا.
المثير للسخرية هو أن حركة طالبان نفسها طالبت المجتمع الدولي مؤخرًا، باسم حقوق الإنسان، أن ترفع أسماء بعض قادتها من القوائم الدولية السوداء، كي تتاح لهم حرية السفر والتنقل، بل اعتبرت أن تحقيق هذا المطلب سوف يساهم في عودة السلام الى أفغانستان، و«يعزز الأمن والاستقرار اللذين تنعم بهما المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة» المتمردة على حكومة كابول المعترف بها دوليًا بحسب سهيل شاهين الذي يترأس مكتب طالبان في الدوحة، وهو مكتب افتتح في العاصمة القطرية في عام 2013 ليعمل كقناة لمفاوضات تفضي الى سلام دائم وشامل في افغانستان، لكنه لم يحقق أي نجاح.
أما الأمر الأكثر سخرية فهو أن باكستان والصين وروسيا الاتحادية وكلها دول ساهمت بطريقة او بأخرى في صناعة الازمة الافغانية في فترات مختلفة تبنت مقترح حركة طالبان هذا، وذلك في محاولة مفضوحة لتبرئة ساحتها، بدلاً من أن تصر بكين وموسكو (على الأقل) على مطاردة قادة الحركة والقبض عليهم والاتيان بهم إلى الجنائية الدولية لمحاكمتهم مثلما تمت محاكمة قادة دول أخرى ربما لم يرتكبوا بحق شعوبهم ربع ما ارتكبه الطالبانيون من جرائم بحق الانسان الافغاني المعذب، خصوصًا وأن الصينيين والروس لهم ثارات معروفة مع الطالبانيين.
لكن يبدو أن السياسة وألاعيبها وتحالفاتها فرضت نفسها على المشهد، فجعلت موسكو وبكين تنسيان الماضي وتتبنيان المطلب الطالباني، بدعم ومؤازرة من إسلام آباد المعروفة بطموحاتها وتدخلاتها في الشأن الأفغاني منذ القدم، لنجد أنفسنا أمام تحالف صيني روسي باكستاني في مواجهة محور نيودلهي كابول واشنطون.
والمعروف أن هناك سباقًا وتنافسًا قويًا ما بين الهند وعدوتها اللدودة باكستان للظفر بعلاقات استراتيجية متينة مع نظام الرئيس الأفغاني «أشرف غني» تجلت مظاهره في المؤتمر الدولي الذي انعقد مؤخرًا في ارميتسار الهندية حول سياسات الرعاية الاجتماعية الكفيلة بإخراج افغانستان من سنوات من التشدد والتطرف والارهاب.
ففي هذا المؤتمر، الذي جاء ضمن سلسلة مؤتمرات «قلب آسيا» الهادفة إلى إعادة تعمير أفغانستان وتعزيز أمنها من خلال التعاون بين القوى الدولية والقوى الاقليمية في جنوب آسيا وغربها ووسطها، شن أشرف غني هجومًا لاذعًا على إسلام آباد وحملها مسؤولية شن حرب غير معلنة على بلاده عبر دعم الارهاب الطالباني، كما رفض عرضًا باكستانيًا بتقديم مساعدة بقيمة 500 مليون دولار، قائلاً: «أنصح باكستان باستخدام المبلغ في احتواء التطرف والعنف الموجه لنا»، ومستشهدًا بما ورد على لسان الزعيم الطالباني «الملا رحمت الله كاكازادة» من أنه «لولا قيام باكستان بتوفير الملجأ والملاذ لنا لما تمكنا من الصمود لشهر واحد» (كرر أشرف غني هذا الكلام في مقابلة صحفية أجرتها معه صحيفة الشرق الأوسط في التاسع من يناير الجاري).
في الوقت نفسه أشاد الرئيس الافغاني بالهند وما تقدمه لبلاده من مساعدات شفافة والتزامات بتحقيق السلام والرفاه للشعب الافغاني. وبقدر ما أسعدت هذه الاشادة رئيس الحكومة الهندية «ناريندرا مودي» الذي مثل بلاده في المؤتمر المذكور، الذي حضرته 21 دولة تحت صفة «الدول الداعمة»، فإنها أغضبت وأحرجت ممثلي باكستان وحليفتها الصينية. وجاء العمل الإرهابي الأخير في ولاية قندهار والذي قضى فيه ثلة من الدبلوماسيين الإماراتيين المسؤولين عن ملف تقديم المساعدات الإنسانية للشعب الأفغاني ليفضح دور إيران القذر في افغانستان ودور من يسهلون لها توتير الأوضاع في هذا البلد المنهك أصلاً. فقد أكد عضو البرلمان الأفغاني الحاج مولوي محمدي، في حديث له إلى صحيفة الشرق الأوسط (13/‏1/‏2017) وجود تدخلات في الشؤون الأفغانية من دول الجوار، ووجود دعم مباشر وسخي من طهران للجماعات الافغانية المذهبية والمتمردة، مشيرا إلى اجتماع ثلاثي عقد في موسكو بين إيران وروسيا وباكستان حول أفغانستان دون مشاركة الأخيرة.

أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي