الخلافة.. الحلم المدمر للأوطان/عبد الحميد الأنصاري

4340
من عاصمة التسامح والسعادة والسلام (أبوظبي) انطلقت دعوة السلام والمحبة والإخاء والحوار والتعايش، التي هي دعوة الإسلام الحقيقية، طبقاً لكلمة الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة وتنمية المعرفة، نيابة عن سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، في افتتاح «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، تحت شعار «دروب السلام من أبوظبي تبدأ»، وبمشاركة 400 من كبار علماء الدين الإسلامي، ونخب سياسية وفكرية وثقافية في العالمين العربي والإسلامي، وإعلاميين ومؤسسات حوار بين الأديان ومنظمات دولية، في الفترة بين 18 و19 ديسمبر 2016. في هذا المؤتمر التاريخي المشهود بكبار علماء الدين الإسلامي وقادة الفكر والثقافة الدوليين، أعلن فضيلة العلامة الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس المنتدى، أن دولة الخلافة هي «صيغة غير ملزمة للمسلمين»، وأضاف: «نحن نعالج اليوم موضوعاً مهماً متفجراً، موضوع الدولة الوطنية»، ثم أردف: «نريد أن نقول لأولئك الذين يقتلون أنفسهم من أجل خلافة أو تصور أو تخيل لا وجود له أصلاً في التاريخ، إنه في الممارسات التاريخية بعد القرن الأول، لم يجتمع المسلمون في دولة واحدة، وما عاب أحد ذلك».

هذه الكلمات القوية، والمؤصلة علمياً وشرعياً، وفي هذا الجمع الكبير، لها دلالات مهمة في تصحيح كثير من المفاهيم الدينية المحرفة، التي أودت بالآلاف من شباب الأمة في ميادين الهلاك، باسم الجهاد لاستعادة الخلافة!

وأبرز دلالات هذا الطرح:

1- إعادة الاعتبار لمشروعية ما طرحه الشيخ علي عبدالرازق في كتابه «الإسلام وأصول الحكم» (1925)، من أن الخلافة ليست من أصول الإسلام، وأن القرآن والسنة لم يحددا نظاماً معيناً للحكم، وإنما هي مسألة دنيوية مصلحية وسياسية أكثر منها دينية. وقد وقف وحيداً، وبشجاعة، في وجه مد استعادة الخلافة، وتعرض -رحمه المولى تعالى- لأذى كثير، وجُرد من العالمية. واليوم، بعد 91 عاماً على طرحه، و50 عاماً على وفاته، ينصف الرجل، فيقول المفكر الإسلامي المعروف رضوان السيد: إن الدولة ليست من التعبديات، بل هي من المصلحيات والتدبيريات.

2 – إعادة الاعتبار لشرعية الدولة الوطنية في مواجهة تنظيمات الإسلام الحركي التي حصرت الشرعية في دولة الخلافة! وتاريخياً فإن حسن البنا، أسس جماعته عام 1928، كردة فعل على سقوط الخلافة عام 1924، وبهدف استعادتها، ومنذ ذلك التاريخ وإلى اليوم، فإن كل التنظيمات الإسلامية تصدر عن حنين جارف لإحياء الخلافة، كفريضة شرعية، ليسمي أبشع تنظيم إرهابي نفسه «دولة الخلافة»! وللإنصاف: فإن العداء للدولة الوطنية، ونقض شرعيتها، لم يقتصر على الإسلاميين، فالقوميون واليساريون يرونها مواريث استعمارية معوقة للوحدة العربية!

3- تفكيك تاريخ الخلافة الإسلامية: يتعجب المرء لحماسة هؤلاء لعودة الخلافة، كما يتحسر ألماً لمصير الشباب الذين ضللوا وسقطوا في سبيلها، ما حقيقة هذه الخلافة التي يفجرون أنفسهم من أجلها؟! البحث العلمي التاريخي يؤكد أن تاريخ الخلافة، منذ معاوية وحتى سقوطها، كان تاريخاً من القمع والقهر للشعوب المسلمة. كان الخلفاء يضعون على وجوههم أقنعة الدين، ويستخدمون شعاراته لإخضاع البلاد والعباد، ويهدمون كل يوم قواعد الدين في العدل والحرية والتكافل والإخاء والمساواة. فدولة الخلافة التي يتباكى عليها الإسلاميون، كانت تعج بجرائم يندى لها الجبين، ارتكبها خلفاء اعتبروا أنفسهم مبعوثي العناية الإلهية، تفرغوا لجباية الأموال من الرعية وضربهم بالسياط، وقتل الخصوم وصلبهم وضرب الكعبة بالمنجنيق واستباحة المدينة وقتل أئمة آل البيت ومطاردتهم والتنكيل بذراريهم واستغلال بيت مال المسلمين، ثم الانغماس في الملذات واقتناء الجواري والقيان. في هذه الخلافة، ضرب الأئمة الأربعة بالسياط، ولعن كبار الخلفاء الراشدين من على المنابر.

ولم تكن الخلافة في يوم من الأيام رمزاً لوحدة المسلمين، بل أدت إلى تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات متناحرة، تحارب بعضها بعضاً، حيث وجدت 3 خلافات في وقت واحد: العباسية في بغداد، والفاطمية في مصر، والأموية في الأندلس.