واشنطن أرادت العراق نموذجا ديمقراطيا يحتذى فتعمم نموذج الفوضى/محمد قواص

عند الحديث عمّا يجري في الشرق الأوسط منذ سنوات من صراعات وحروب ومجتمعات مشتتة وأقليات بعضها أصبح فاعلا مؤثرا في ما يجري وبعضها الآخر مشتت ولاجئ ومهدد بفقدان كل ما يربطه بهويته في بلاده، فإنه لا يمكن نسب ذلك إلا إلى مشروع “الفوضى الخلاقة”، الذي بشّرت به كونداليزا رايس إبان الحرب على العراق، في ما لخص أكاديمي أميركي كل ما حصل بقوله إن بلاده تعاملت مع المنطقة بغرور واثق، وأن الإدارة الأميركية التي هرولت للانتقام بعد أحداث الـ11 من سبتمبر 2001 راحت تنفذ بطشا انفعاليا دون أي اكتراث بحساسيات أكثر مناطق العالم تعقيدا.

3008

واشنطن – صرّحت كونداليزا رايس عام 2005، وكانت حينها وزيرة للخارجية الأميركية، تصريحا لافتا مازال العالم العربي يعتبره أصل العلّة في مصاب المنطقة الراهن. تحدثت رايس لـ”واشنطن بوست” عن خطط الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية في العالم العربي من خلال “الفوضى الخلاقة”. لم يكن هذا المصطلح شائعا ولم يعرف ما إذا كانت رايس تتحدث عن واقع أم عن فذلكة نظرية أرادت من خلالها إضفاء قاع أيديولوجي لسياسة بلادها في الشرق الأوسط.

بين تاريخ التصريح وانفجار “الربيع العربي” عام 2011 جرت مياه كثيرة، وبدا أن الحراك العربي منذ “البوعزيزية” في تونس نتاج مزاج محلي واحتقان بيتي، وبدا ربط أمر اندلاع الثورات والقلاقل بتصريحات رايس أمرا يخضع للاجتهاد، بين من يعتبر الأمر صدفة وبين من يعتبره مؤامرة. ولا ريب في أن الأنظمة السياسية راق لها الترويج لفتاوى الوزيرة الأميركية لوسم الزلازل التي تهددها بالعمالة واتهامها بتنفيذ أجندات “إمبريالية استكبارية …إلخ”.

لا نملك الحسم في هذا الجدل ولا نملك معطيات دقيقة حول دور واشنطن في ما جرى داخل المنطقة منذ 2011، لكن الأداء الأميركي بدا مربكا يرتجل المواقف ويؤسسها على معطيات خاطئة ويستشرف آفاقا سرابية سرعان ما يدرك انعدامها.

تعترف أوساط أميركية هنا في واشنطن أن بلادها تعاملت مع المنطقة بغرور الواثق، وبأن الإدارة الأميركية التي هرولت للانتقام بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 راحت تنفذ بطشا انفعاليا دون أي اكتراث بحساسيات أكثر مناطق العالم تعقيدا، على حد توصيف شهير للرئيس الفرنسي الراحل الجنرال شارل ديغول.

يخبرني أحد الأكاديميين الأميركيين بأنه كان يعرف أحد المتخصصين الأميركيين في شؤون العراق. وكانوا قلة في عهد جورج بوش. وكان يعمل رئيسا لأحد الأقسام المشتغلة على العراق في وكالة المخابرات المركزية “سي آي إيه” وانتقل بعدها لشغل نفس المهمة لدى أجهزة مخابراتية تابعة للجيش الأميركي.

فاجأني الرد الواضح من المسؤول الكبير في وزارة الخارجية الأميركية {لم نعد نتكلم عن الديمقراطية كما قبل}

ويضيف، أنه التقاه في حفل استقبال وكانت مناسبة لسؤاله عما إذا كانت إدارة بوش قد طلبت مشورته في شؤون العراق قبل وبعد غزو عام 2003. ويكمل محدّثي أن الشخص ابتسم، ونادى زميلين له يعملان داخل أجهزة أخرى، من الذين كُلفوا بإعداد تقرير تفصيلي مدعّم بالتوصيات حول الشأن العراقي. اتفق الثلاثة على القول، بامتعاض واضح، أن لا أحد طلب المشورة ولا أحد اهتم لتقاريرهم حين صدف أنها طُلبت منهم، وأن من قادوا “العملية العراقية” لم يكونوا يفقهون شيئا في الملف العراقي.

الديمقراطية في العالم العربي

يكشف أحد المتخصصين في شؤون الأمن الاستراتيجي، والذي كان يعمل قريبا من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أن واشنطن كانت تعتقد أنها ستجعل من العراق حالة ديمقراطية تمكّنها من تعميم نموذجه على المحيط العربي. ويضيف ساخرا “لقد خلقنا فعلا نموذجا تعمم في كل العالم العربي”. ومن تلك السخرية يستنتج الزائر لواشنطن أن منطق فرض الديمقراطية في المنطقة والعالم يغيب عن الخطاب الرسمي الأميركي كما عن خطابي المرشحين للرئاسة، وأن هاجسا آخر صار يسكن العقلية الأميركية يدور حول محور الأمن وضرب الإرهاب، بما يوحي أن غاية ذلك تبرر أي واسطة.

وحين أحمل سؤالي إلى وزارة الخارجية الأميركية بشأن العقيدة الأميركية الجديدة في الشرق ما بين الديمقراطية والاستقرار، يفاجئني الرد الواضح من المسؤول الكبير في الوزارة “لم نعد نتكلم عن الديمقراطية كما قبل”.

ويضيف المسؤول الأميركي، الذي يعرف المنطقة وعمل في بلدانها، “لا نعتقد أنه يجب أن تمتلك الديمقراطية فقط أو تمتلك الاستقرار فقط. لا نتحدث حاليا عن الديمقراطية في العالم العربي، الآن نعتمد التشديد على قيّم العدل والكرامة”.

ويسهبُ المصدر الأميركي في ترتيب عباراته ويذهب إلى بيت القصيد “نحن مهتمون بالشراكة مع مصر مثلا أو دول مجلس التعاون الخليجي، على أن تشعر شعوب هذه البلدان بأنها محترمة من قبل حكوماتها وأن تتوفر داخل هذه البلدان قيّم العدل والكرامة”.

أستدرجه إلى ملف آخر حول علاقة واشنطن بالإسلام السياسي. راج كثيرا أن الولايات المتحدة، التي راق لها نموذج حزب العدالة والتنمية في نسخته الأولى بتركيا، قد ترعى هيمنة الإخوان المسلمين على السلطة داخل البلدان التي شهدت حراكات كبرى. وراج أيضا أن واشنطن ترى في الإخوان “إسلاما معتدلا” بالإمكان التفاهم معه لردع أو احتواء الإسلام الجهادي المتطرّف. لم يكن الأمر مجرد أقاويل وإشاعات، فأنباء اللقاءات بين مسؤولين أميركيين وقيادات إخوانية باتت في فترة الانفجار الأول عادية روتينية، فيما صدر عن القيادات الإخوانية، سواء في زياراتها لواشنطن أو عقب أي لقاء مع جهة أميركية أميركية في العالم، مواقف براغماتية مرنة تحاكي هواجس واشنطن وتطمئن قلقها وتلبي شروطها.

المسؤول الكبير في وزارة الخارجية الأميركية ينفي تهمة دعم واشنطن للإخوان، ويكرر لازمة أثناء حوارنا ‘أميركا لم تدعم الإخوان أبدا’

التعامل مع الإخوان

وإذا ما اتهمت نظرية كونداليزا رايس حول الفوضى الخلاقة بأنها تقف وراء الفوضى التدميرية في المنطقة، فإن رأيا عاما معارضا للإسلام السياسي، لا سيما من قبل القوى المدنية والعلمانية إضافة إلى أوساط داخل الدولة العميقة (في مصر وتونس مثلا)، اعتبر أن “مؤامرة أميركية” تسعى إلى فرض الإخوان بديلا، على النحو الذي تنتهي فيه “فوضى رايس” وخطط بلادها لنشر الديمقراطية في العالم العربي إلى التسليم بهيمنة الإسلام السياسي على المنطقة.

وفي واشنطن يعتبرون أن في الأمر مبالغة مفرطة وأن الإدارة الأميركية تعاملت مع الأمر الواقع يوما بيوم، وراحت تتأقلم مع مستجدات لم تكن تتوقعها، وأنها، وإن حاولت كبح جماح الهجمة التي تهدد نظامي مصر وتونس المفترض أنهما صديقين للولايات المتحدة، فقد سعت لاحقا إلى استكشاف البدائل وفق ما ينتج عن ميادين الحراك المحلي.

وينفي المسؤول الكبير في وزارة الخارجية الأميركية تهمة دعم واشنطن للإخوان، ويكرر لازمة أثناء حوارنا “أميركا لم تدعم الإخوان أبدا”. ويقول إن بلاده راقبت باهتمام تحرك الناس في ميدان التحرير في مصر، وكل ما فعلناه “أننا سعينا إلى دعم انتقال سلسل للسلطة هناك”.

ويضيف أنه كان واضحا أن القوى السياسية من غير الإخوان المسلمين كانت مشتتة ومنقسمة، وأن الإخوان كانوا يتمتعون بوحدتهم وانسجامهم وكانوا الأكثر تنظيما، و”ذلك فقط ما أدى إلى فوزهم في الانتخابات”.

ويضيف المصدر في وزارة الخارجية الأميركية “انتخب محمد مرسي، وقد أبلى بلاء سيئا في الحكم وأزيح وانتخب عبدالفتاح السيسي، إلا أن شراكتنا مع مصر لم تتوقف في كافة المراحل”. ويسهب المسؤول الأميركي في سرد أن “تلك الشراكة لم تتوقف في عهد مبارك أو مرسي أو السيسي، فنحن مهتمون بالشراكة مع حكومات مصر وشعب مصر”.

ويضيف في مسعى لإضفاء موضوعية على روايته الرسمية الدبلوماسية “البعض من الحكومات المصرية هي أكثر جذبا لنا والبعض آخر أقل جذبا، ولم نكن منجذبين للإخوان المسلمين، ولكن طالما أنهم أصبحوا في الحكم فإن علينا أن نتعامل معهم، أن نتعامل مع مصر أم الدنيا، ولا يصح أن نجادل المصريين لماذا عندهم إخوان؟”.

ينظر إليّ المسؤول الأميركي محاولا استكشاف مدى قناعتي بروايته ثم يقول، كما لو كان اختتاما للقصيدة، “هناك مصالح لنا في مصر ولمصر مصالح معنا، لكننا لم ندعم الإخوان أبدا”.