الجمهوریة الإسلامیة لا تکفّ عن افتعال الأزمات وإثارة العالم

لم تمض فترة طویلة حتی الآن علی انحسار الأزمة الذریة التي أوجدها نظام الولي الفقیه ضد المجتمع العالمي منذ زمنٍ طویل، حیث استطاعت الجمهوریة الإسلامیة والقوی العالمیة السِّت (أمریکا ـ بریطانیا ـ فرنسا ـ روسیا ـ الصین ـ بالإضافة إلی ألمانیا)، التوصُّل في النهایة إلی الاتفاق الذري في شهر یولیو من العام الماضي، بعد مفاوضات استغرقت 18 شهراً، والآن یحاول الجانبان تنفیذ التزاماتهما (التي لا یزال مصیرها النهائي غیر مُحَدَّد). إلاّ أنّ الجمهوریة الإسلامیة بادرت إلی إیجاد أزمة جدیدة أثارت القلق علی المستوی الدولي.

تجدر الإشارة هنا إلی أن خلفیّات نظام الولي الفقیه منذ 37 عاماً، تدلّ علی أنه في الحقیقة لا یمکنه مواصلة دیمومته، دون إثارة الأزمات المحلّیة والدولیة.
فمنذ الأعوام الأولی من عمر الثورة، بادر نظام الملالي القائم في إیران إلی إثارة عشرات الأزمات المحلیة والخارجیة ومن ضمنها القَمع الدموي للمجموعات السیاسیة التي کانت معارضة للخمیني، إلی مواصلة الحرب ضد العراق، وغیر ذلک، وتحمیل الشعب الإیراني مئات الآلاف من القتلی، ومئات الملیارات من الدولارات کنفقات لتلک الجرائم التي لا مجال لشرحها في هذا المقال.

33510

هذا ونشیر هنا إلی إحدی تلک الأحداث، وهي الاستیلاء علی السفارة الأمریکیة في طهران في السنة الأولی التي حدثت فیها الثورة الإسلامیة واحتجاز 52 دبلوماسیاً أمریکیاً کرهائن لمدة 444 یوماً، حیث وُصِفَ هذا الإجراء بأنه «الثورة الثانیة» أو «ثورة أکبر من الثورة ضد النظام السابق» ومنذ تلک الفترة، اتّضح أن نظام الولي الفقیه کان یعتزم إثارة العداء والخصام ضد أمریکا والبلدان الغربیة أیضاً، ولا یزال یواصل العداء تجاهها.
فجمهوریة ولایة الفقیه، قد رکَّزت عداءها تجاه أمریکا والغرب علی أُسس ثوریة وإسلامیة، وبَنَت سیاستها الرئیسیة علی تلک الأسس. أما من الناحیة الإقلیمیة، فقد بدأ نظام الولي الفقیه ومنذ السنین الأولی عداءه تجاه الدول المجاورة ومع الکثیر من بلدان الشرق الأوسط بذریعة أن أنظمتها عملاء وعبید لأمریکا.

وفي عام 1982م أیضاً وعبر تشکیل مجموعة «حزب الله» المسلحة في لبنان بذریعة الکفاح ضد إسرائیل وإبادة تلک الدولة (مع العِلم أن خلافاتها مع البلدان العربیة والمسلمة لیست لها أیّة صلة بإیران). فقد بدأت الجمهوریة الإسلامیة تدخلها العلني في بلدان المنطقة، حیث أن هذه التدخّلات السلطویة وتأسیس ودعم الزُّمَر الإرهابیة في مختلف بلدان الشرق الأوسط، تسبّبت في إثارة التوترات الشدیدة في علاقات هذه البُلدان مع الجمهوریة الإسلامیة والتي لا زالت متواصلة وقد أدّت إلی إصابة مصالح إیران والشعب الإیراني بأضرارٍ شدیدة، حیث یتَطلَّب هذا الموضوع مقالاً منفصلاً.
لکن من الضروري هنا أن نشیر بإیجاز إلی المسألة الذریة والأزمة التي اُثیرت حولها والتي تسبّبت لسنَین عدیدة، في اندلاع نزاعٍ بین الجمهوریة الإسلامیة وبین المجتمع الدولي.

فإیران في عهد النظام الملکي، کانت عضواً في المنظمة الدولیة للطاقة الذریة واستناداً إلی ذلک بدأت بإنشاء مفاعل مدینة بوشهر (في جنوب إیران علی ساحل الخلیج الفارسي)، بهدف تولید الطاقة الکهربائیة تحت إشراف الوکالة الدولیة للطاقة الذریة. ولکن في حین کان هذا المشروع یجتاز مراحله النهائیة، بادر النظام الثوري الإسلامي إلی إلغاء اتفاقیة إنشائه مع الفرنسیین والألمان بسبب عداء النظام الجدید مع نظام الشاه. وقد أدّی ذلک إلی أن یدفع النظام الثوري في إیران غرامة ثقیلة بسبب إلغاء الاتفاقیة. إلاّ أن النظام الإسلامي بعد فترة، أوکَل إلی الروس استکمال وتشغیل هذا المفاعل الذي لم یتم استغلاله حتی الآن بعد مضّيِ أکثر من عشرین عاماً.

الجدیر بالذکر إن ما تَسبَّب في إثارة الأزمة الذریة هو أن نظام الولي الفقیه بدأ في منتصف التسعینات، بناء المفاعلات الذریة وإنتاج الیورانیوم بصورة سرّیة في الخفاء وبِنِسَبٍ عالیة وبادر في مفاعلٍ في مدینة «أراک» أیضاً إلی إنتاج
البلوتونیوم (الذي یُستَخدم بصورة خاصّة في إنتاج القنبلة الذریة) وقد اُخفیت هذه المفاعلات عن عیون الوکالة الدولیة للطاقة الذریة. ولکن في النهایة کشفت المنظّمات الاستخباراتیة الغربیة هذه المفاعلات الذریة، وأثارت الشکوک بصورة جادّة بأن الجمهوریة الإسلامیة تعتزم إنتاج القنبلة الذریة.
ونشیر هنا إلی أن الجهود التي بذلتها الوکالة للطاقة الذریة للتفاوض ومَنع إیران من مواصلة إجراءاتها، وجذبها نحو طاولة المفاوضات لم تثمر شيئاً بسبب عناد خامنئي. ولکن في عام 2003م حین کانت حکومة محمد خاتمي الإصلاحیة تتولّی الحکم في إیران، وافقت الجمهوریة الإسلامیة في النهایة علی إجراء مفاوضات مع وقد القوی العالمیة، في تلک الفترة کان الرئیس الحالي «حسن روحاني» أمیناً للمجلس الأعلی للأمن القومي الإیراني، وقد تولّی رئاسة الوفد الإیراني في تلک المفاوضات. وقد اتفق الجانبان علی أن توقِف إیران الجزء الأعظم من أنشطتها الذریة. وبالفعل قامت الوکالة الدولیة للطاقة الذریة بإغلاق المفاعلات الذریة الإیرانیة وختمها بالشَّمع الأحمر. وقد خَمدت وانتهت الأزمة.

ولکن وفي بدایة تولّي محمود أحمدي نجاد السلطة (الشخصیّة المتطرّفة الذي فاز برئاسة الجمهوریة بدَعمٍ صریح من مرشد النظام)، قام المذکور بإزالة الشمع الأحمر من علی أبواب المفاعلات الذریة بأمرٍ من خامنئي، وبدأ مرّة أخری بممارسة الأنشطة الخفیّة.
هذا وبسبب مواصلة نظام طهران لأنشطته السّریة، ودون الاکتراث بتحذیرات الوکالة الدولیة للطاقة الذریة، تمَّ في النهایة إرسال الملف إلی مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة، وقد صادق هذا المجلس خلال عدّة سنوات علی أربعة قرارات لفَرض الحظر ضد الجمهوریة الإسلامیة، وتمّ وضع تلک القرارات موضع التنفیذ علی المستوی الدولي.

وبالإضافة إلی ذلک، فَرَضَت مختلف البلدان الغربیة أیضاً قرارات حَظرٍ بصورة مستقلّة ومضاعفة ضد إیران، إلی أن بادر الاتحاد الأوربي في شهر یولیو/تموز من عام 2012م، إلی فَرض حَظرٍ علی شراء النفط الخام من إیران. وقد أدَّت قرارات الحظر هذه في النهایة إلی ترکیع نظام الولي الفقیه (الذي کان لا یزال یُطلِق شعار إبادة إسرائیل)، وتسبّب في إیجاد إرباکٍ في شؤون البلاد.

وفي انتخابات رئاسة الجمهوریة التي جرت في إیران عام 2013م، فاز بالسلطة «حسن روحاني» الشخصیة المَیّالة للاعتدال في الانتخابات التي کانت قد جَری الإعداد لها مسبقاً، وکان روحاني قد وَعَد بأن یتوصَّل إلی اتفاق ذرّي مع القوی العظمی العالمیة، لکي تتم إزالة أنواع الحَظر المفروض علی إیران.
فبعد إجراء مفاوضات استغرقت 18 شهراً، وبالاستناد إلی موافقة خامنئي، وافقت الجمهوریة الإسلامیة علی جمیع شروط البُلدان الستّة، وبادرت إلی إیقاف وإغلاق القسم الأعظم من أنشطتها الذریة. وقد وافقت البُلدان الغربیة أیضاً علی أن تزیل التجمید عن الأموال الإیرانیة المُجّمّدة في البنوک الأجنبیة، وأن تُلغي أنواع الحظر المفروض علی إیران تدریجیاً.
ولقد اُعتَبر هذا الإنجاز في الحقیقة فوزاً ونجاحاً لرئیس الجمهوریة حسن روحاني والجناح المعتدل والإصلاحي الذي استطاع تسویة الأزمة الذریة التي رحّب بها المجتمع أیضاً.
أما الآن فإن حکومة روحاني تعتزم اتخاذ خطوات في مجال تطبیع العلاقات مع البلدان الغربیة وأمریکا، وأن تُمَهِّد الظّروف لکي تنضمّ إیران إلی المجتمع الدولي کعضو موثوق بها.

وهکذا کان من المتوقَّع أن تتمّ تسویة سائر الخلافات والنزاعات مع أمریکا والدول الغربیة، وأیضاً مع بلدان المنطقة في أعقاب حلّ الأزمة الذریة.
ولکن وفي الوقت الذي لم تصل فیه مسألة الاتفاق الذري إلی نتیجة تامة، وتحاول إیران من جهة، والبُلدان الغربیة من جهة أخری تنفیذ التزاماتها المنصوص علیها في الاتفاق المذکور، بادر النظام الإسلامي بأوامر من علي خامنئي، إلی إجراء اختبارٍ لصاروخٍ بالیستي بعید المدی (دون أي تبریر منطقي) مما أثار أزمة جدیدة، نتائجها غیر معروفة حتی الآن.
إن هذا الاختبار الصاروخي، بالإضافة إلی التدخّلات المتواصلة للنظام الإسلامي في بلدان المنطقة، قد أثار أزمة وأوجد حسّاسّیات دولیة من جهة، ومن جهة أخری تسبّب في إیجاد شقاقٍ وفجوة في الداخل، واندلاع خصام شدید بین الأجنحة السیاسیة في إیران.
ویعتقد الکثیر من المراقبین أنه لو اُعتبر عام 1394 الإیراني (أي العام المیلادي الفائت، عام اختتام الأزمة الذریة) = وهو أمر مشکوک فیه =، فإن عام 1395 الإیراني الذي بدأ منذ 20 مارس 2016م، یُعتبر بدایةً (لعام الأزمة الصاروخیة).

33509

اختبار الصواریخ البعیدة المدی

في أعقاب التوصُّل إلی الاتفاق في المسألة الذریّة مع مجموعة دول 5+1، أعرب الجمیع عن سرورهم لذلک الحدث، وبدأ بعض المواطنین بالاحتفال في الشوارع بهذه المناسبة، وکانوا یتوقّعون عبر إلغاء أنواع الحَظر المفروض علی إیران، أن تتقلّص الضغوط الاقتصادیة من جهة، ومن جهة أخری أن تزول الخصومات بین إیران والعالم الغربي بموجب برنامج حکومة روحاني، وأن یتم تطبیع العلاقات مع المجتمع العالمي.
وفي هذا الإطار یشیر المسؤولون في حکومة روحاني إلی (الاتفاق الذري الذي دلّ في الحقیقة علی موافقة إیران علی جمیع الشروط التي کانت قد حدَّدتها البُلدان الغربیة) وقد سُمّیت بعنوان «البرنامج الشامل للإجراء المشترک». فالسلطات الإیرانیة أرادت بذلک أن تؤکّد أن إیران لیست الوحیدة التي یجب أن تخضع لطلبات المجتمع العالمي، بل أن الدول الغربیة أیضاً علیها واجبات یجب أن تنفّذها.
وفي الحقیقة ترید السلطات الإیرانیة تبریر ذلک بأن الجانبین (إیران والغرب) یحتفظان بمستوی واحدٍ من حیث السمعة السیاسیة والدولیة.
وعلی أية حال فخلال الشهور التي أعقبت التوصُّل إلی الاتفاق الذري، أعلنت سلطات حکومة روحاني أنها تعتزم عقد اتفاقات جدیدة مع البُلدان الغربیة بهدف تطبیع العلاقات الدولیة، ومن البدیهي أن تنفیذ مثل هذه البرامج، بإمکانها أن تعید إیران إلی المجتمع الدولي، وأن ترقی بسمعة إیران في العالم. إن مثل هذه البرامج في الحقیقة تعني إنهاء العداء والخصومة مع أمریکا والبُلدان الغربیة، وهو أمرٌ یعارضه المرشد خامنئي والتابعون له کالمسؤولین المتطرّفین، وقادة القوات العسکریة والأمنیة وجمیع الأصولیین، لأنهم کانوا قد حاولوا لسنین طویلة أن یُرَسِّخوا فکرة العداء ضدّ الدول الغربیة علی أنها ذات قیمة ثوریة وإسلامیة. وأنهم یعتبرون أن أیّة مُساومة مع العالم الغربي تؤدّي إلی هزیمة النظام الإسلامي وخیبة أمله، وإلحاق الخزي والعار به.
فنظام الولي الفقیه وعبر إثارة الأزمات، وعدم الاستجابة لأي قانون، وممارسة العناد والتَمُّرد أمام العالم الغربي طوال أکثر من ثلاثة عقود، وإطلاق شعار «الموت لأمریکا»، والإشارة إلی مسألة إبادة إسرائیل یومیاً، وإجراء المناورات العسکریة المختلفة في الخلیج الفارسي، و«التحرُّشات الصاروخیة» ضد الأسطول الأمریکي، والتصریحات المتغطرِسة والمُتَعجرفة التي یطلقها باستمرار القادة الصغار والکبار في قوات حرس الثورة ضد أمریکا وأوربا، والتُدخُّل السلطوي الصریح في البُلدان الحلیفة لأمریکا في الشرق الأوسط، أرادت أن تعرض نفسها کأقوی بلدٍ في المنطقة بل وفي العالم، وعبر هذه الذریعة أن تغطّي علی: عجزها في إدارة شؤون البلاد، ونَهِب ثروات إیران، وممارسة أسوأ أسلوب في إدارة الشؤون الاقتصادیة والذي أدّی إلی تفشّي الفقر والدعارة والإدمان علی المخدرات في البلاد.
الجدیر بالذکر أن مثل هذا النظام الذي واصَل دیمومته بالرغم من خداعه وتضلیله وسوء استغلاله للمعتقدات الدینیة للشعب، یعلم أن مساومته مع المجتمع العالمي، وفتحه أبواب المجتمع أمام شعوب العالم، قد یُمَهِّد لسقوطه في النهایة.
وهکذا فإن تنفیذ «البرنامج الشامل» والاتفاق مع المجتمع الغربي والعالمي، قد أقلق جداً مرشد النظام والملالي الذین یحکمون إیران، ولهذا السبب ومن أجل أن یثبت خامنئي بأن عِداءه ضد أمریکا والعالم الغربي لا زال قائماً، فکرَّ في إیجاد أزمة جدیدة، وأصدر أوامره بأن تبادر قوات حرس الثورة إلی اختبار صاروخین طویلَي المدی (1700 کیلومتر و2000 کیلومتر وقادران علی نَقل رؤوس ذریة).
ویدّعي النظام الإسلامي أنه اختبر هذه الصواریخ بهدف الدفاع ضد أي هجوم علی إیران، ورَفع قدراتها الدفاعیة أمام الأعداء (مَن هم الأعداء؟). ولم یُدل نظام الولي الفقیه بأي إیضاح حول هذه الحقیقة، وهي أنه لیس من المُقرَّر أن یُنتِج هذا النظام رؤوساً نووّیة، فما معنی اختبار صاروخ له قدرة علی حَملِ رأسٍ نووي؟ کما لم یُدل نظام الولي الفقیه بأيّ إیضاح حول الدولة التي وَجَّهت التهدید له، حتی أصبح مضطراً إلی اختبار الصواریخ البعیدة المدی ذات 1700 و2000 کیلومتر؟
والأدهی من ذلک هو أن علی هیکل الصاروخین المذکورین، کان قد کُتِب هذا الشعار: «یجب إبادة إسرائیل». إن کتابة الشعار المذکور في هذه الظروف التي أعلنت فیها إسرائیل أنها لا تثق في الأساس بالاتفاق الذري الإیراني مع الغرب، لیس له أي دافعٍ سوی تحریض البُلدان الغربیة، ومَنح الذریعة للمعارضین للاتفاق الذري (في الکونجرس الأمریکي وفي بعض الدول الأوربیة لیس إلاّ). ونشیر إلی أن عدداً من الساسة الغربیین وصفوا هذا الاختبار الصاروخي بأنه یتعارض مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 (حول التوصُّل إلی الاتفاق الذري وإلغاء أنواع الحَظر المفروض علی إیران).

ردّ الفعل الشدید الذي صدر من أمریکا والدول الأوربیة الثلاث

واجه الاختبار الصاروخي الذي أجرته الجمهوریة الإسلامیة مؤخراً، ردود فِعلٍ قاسیة وشدیدة من أمریکا ومن بریطانیا وفرنسا وألمانیا، حیث اعتبرت هذه الدول الأربع، أن الاختبار الصاروخي الإیراني یتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي. وقد أدرجت أمریکا في قائمتها الخاصة بالحَظر، اسم الشرکتین الإیرانیتیَن اللتین کانت لهما صلة بذلک الاختبار.
ومن جهة أخری فقد منح اختبار الصواریخ هذا، ذریعة أخری للکونجرس الأمریکي الذي یمثل الأغلبیة فیه أعضاء الحزب الجمهوري، لکي یزیدوا من انتقاداتهم ضد إدارة الرئیس الأمریکي اُوباما.
ونشیر هنا إلی أن اُوباما کان ولا یزال یدافع عن الاتفاق الذري المعقود مع الجمهوریة الإسلامیة، ویُبَرِّر هذا الاستنتاج بأنه عبر هذا الاتفاق استطاع المجتمع العالمي أن یقوم بتسویة هذه المشکلة الذریة الجادّة (التي تخصّ إیران)، عبر الطرق الدبلوماسیة، في حین لوکان قد استمر الوضع القائم آنذاک ولم یتمّ التوصُّل إلی الاتّفاق، لکان من الممکن أن یُشعِل نار حربٍ إقلیمیة بل وعالمیة.
ومع کل ذلک، فإن الاختبار الصاروخي الذي أجراه نظام طهران، تسبّب في إضعاف إدارة اُوباما أمام الکونجرس. ولکن بسبب قُرب موعد الانتخابات الرئاسیة في أمریکا، فإن الفرصة لیست کافیة لکي یعرض الکونجرس ویناقش مشروع إلغاء الاتفاق الذري مع إیران. لکن بعض المرشحین الجمهوریین لإحراز رئاسة الجمهوریة الأمریکیة، أعلنوا أن أیّاً منهم لو فاز في الانتخابات، سوف یغتنم أول فرصة متاحة لکي یلغي الاتفاق المذکور، کما سیفرض المزید من أنواع الحَظر ضد إیران.
ومن جهة أخری فقد أعلن جون کیري وزیر الخارجیة الأمریکي الذي کان قد بذل جهوداً حثیثة للتوصُّل إلی الاتفاق الذري، أعلن عقب لقائه مع وزراء خارجیة دول مجلس تعاون الخلیج الفارسي: إن هذه البُلدان قلقة من الاختبارات الصاروخیة الإیرانیة.
وقد واجهت هذه التصریحات ردود فِعلٍ قاسیة من جانب محمد جواد ظریف وزیر خارجیة الجمهوریة الإسلامیة و«علي أکبر ولایتي» مستشار خامنئي للشؤون الدولیة.
وفي الوقت نفسه کتبت صحیفة «واشنطن بوست» في مقالها الافتتاحي في هذا المجال قائلة: «إن سلوک طهران في اختبار الصواریخ البالستیة مع قابلیتها لنقل الرؤوس النوویة، والذي یتعارض مع قرار مجلس الأمن الدولي، یجب ألا یبعث علی استغراب المراقبین الذین کانوا قد توقّعوا أن الاتفاق الذري لن یُؤَدّي إلی تقلیص عداء طهران بالنسبة للغرب، أو تقلیص عدم اکتراثه بالعادات والأعراف الدولیة.
إن البیت الأبیض قلق من أن من الممکن أن تنسحب إیران من الاتفاق الذري الذي یُعتَبر من میراث الرئیس الأمریکي اُوباما، الذي یحاول اجتناب أي نقاش أو اشتباک مع الجمهوریة الإسلامیة. وکانت إدارة أوباما قد بعثت برسالة إلی مجلس الأمن الدولي، وصفت فیها الاختبارات الصاروخیة الإیرانیة، بأنها انتهاک لقرار المجلس المذکور.

ومن جهة أخری فإن المحاولات التي تبذلها إدارة اُوباما من أجل تسهیل إجراء التعاملات بالدولار مع إیران، تتم بسبب ما وعدت به واشنطن أن یکون في متناول إیران، أموالها المُحتجزة، وأن تستأنف إیران التَعامُل في التجارة الدولیة. وهنا یبرز هذا السؤال: في هذه الظروف التي تقوم الجمهوریة الإسلامیة أثناءها باختبار الصواریخ التي تستطیع نَقل الرؤوس النوویة، هل تستطیع أمریکا أیضاً اتخاذ خطوات لم تتمّ الإشارة إلیها بصراحة في نصّ الاتفاق الذري؟
أما المشروع الجدید الذي أعلنه اثنان من أعضاء مجلس الشیوخ الأمریکي «مارک کِرک» و«مارکو روبیو» من الحزب الجمهوري، فبالرغم من أنه لن یُعرَض علی مجلس الشیوخ للتصویت علیه قبل الانتخابات الرئاسیة الأمریکیة التي ستجری في شهر نوفمبر القادم، فإنه لو تمّت المصادقة علی هذا المشروع، فسوف تتم دعوة البیت الأبیض إلی فرض حظر ضد جمیع المؤسسات ومن ضمنها الأجهزة المالیة التي لها صلة بالبرنامج الصاروخي الإیراني، وإعادة إحیاء الحظر الشامل لفرضه علی الجمهوریة الإسلامیة من جدید. علماً بأن هذا الموضوع یتیح الفرصة لمواصلة تنفیذ الاتفاق الذري، لکنه یُحَذِّر إیران من أن انتهاکاتها
ومضایقاتها سوف تُرغِمها علی دَفع الثمن.

ونشیر هنا إلی أن هذا الاختبار الصاروخي الذي قامت به قوات حرس الثورة الإسلامیة في إیران، جرت قبل 12 یوماً من نهایة السنة الإیرانیة 1394 (التي کان قد اُطلِق علیها اسم سنة الأزمة الذریة) لذلک فمن الممکن أن تتمّ تسمیة العام الإیراني الجدید 1395 «بعام الأزمة الصاروخیة».
وعلی أیة حال فإن عَرض أفلامٍ عن المُدن الصاروخیة الصغیرة التابعة لقوات حرس الثورة قبل اختبار الصواریخ، وکتابة شعارات «یجب إبادة إسرائیل من علی الأرض» علی الصواریخ المذکورة باللغة العبریة، تُعتَبر إجراءً تحریضیّاً قد یؤدّي إلی بدایةٍ لأزمة صاروخیة. فحین تَعرِض الجمهوریة الإسلامیة قدرتها الصاروخیة بهذا الشکل، فإنها تُهَدِّد لیس فقط إسرائیل، بل تُهَدِّد البلدان العربیة في المنطقة أیضاً.
وعلی هذا الأساس أشار جون کیري وزیر الخارجیة الأمریکي، إلی قلق بُلدان حوض الخلیج الفارسي، لکنه واجَه ردّ فعلٍ عنیفاً حیث وصف وزیر خارجیة حکومة روحاني وکذلک مستشار علي خامنئي، تصریح کیري، بأن لیس له أي أساس ومُجَرَّد هراء.
الجدیر بالذکر أن التهدید بالحرب الصاروخیة، یُذَکِّرنا بالأزمة الذریة التي أعلن کبار المسؤولین العسکریین والمدنیین في إیران ـ لمحاکاة خامنئي ـ إنهم سوف یرفضون «البرنامج الشامل للإجراء المشترک»، وأنهم یعتبرون قرارات مجلس الأمن الدولي غیر مؤثّرة ولیس لها أي أساس. ولکن في النهایة وافق خامنئي وسائر المسؤولین علی الاتفاق الذري.

أما الآن وفي أحدث تطوُّرٍ، بعثت الدول الأربع أمریکا ـ بریطانیا ـ فرنسا ـ وألمانیا برسالة إلی منظمة الأمم المتحدة، وصفت فیها الاختبار الصاروخي الإیراني بأنه یُعتَبر خرقاً وانتهاکاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، ودَعت إلی اتخاذ ردٍّ مناسب لهذا الإجراء.
وفي هذا الإطار أعرب «بان کي مون» الأمین العام المنظمة الأمم المتحدة عن قلقه إزاء اختبار الصواریخ البالستیة الإیرانیة وقال: إن القوی العالمیة یجب أن تُحَدِّد هل هذا البرنامج یحتاج إلی فرض المزید من الحَظر أم لا؟

علماً بأن القوی العالمیة الأربع، وفي رسالة بعثتها إلی الأمین العام للأمم المتحدة، کتبت تقول إنها تعتزم مجابهة المشروع الصاروخي الإیراني. وحتی لو لم یستطع مجلس الأمن الدولي إصدار قرار جدید ضد الجمهوریة الإسلامیة بسبب الفیتو الذي تستخدمه روسیا، فإن أمریکا والاتحاد الأوربي یستطیعان وبصورة مباشرة فَرض أنواع الحَظر علی إیران مرّة أخری کحَظر التعاملات البنکیة، وحَظر بیع البترول والبتروکیماویات، وحَظر التأمین علی السلع والبضائع وغیر ذلک.
وستکون الجمهوریة الإسلامیة مُرغَمة -کالأزمة الذریة- علی التراجُع عن مواقفها التوسّعیة في المجال الصاروخي، وأن تخضع للشروط العالمیة.
لقد بدأت الأزمة الصاروخیة حین کان الکثیر من الأعضاء الجمهوریین في الکونجرس الأمریکي وکذلک المسؤولون في البلدان الأوربیة یعتقدون بأنه نظراً لاستمرار الجمهوریة الإسلامیة في حمایة ودَعم الجماعات الإرهابیة في المنطقة، ومواصلة انتهاک حقوق الإنسان، فینبغي أن تخضع للضغوط الدولیة.
ولیس من شک في أن الإجراء الذي اتخذه نظام طهران في اختبار الصواریخ البعیدة المدی، سوف یترک أثراً سلبیّاً علی موقف أمریکا والبُلدان الغربیة بالنسبة للجمهوریة الإسلامیة. ومن المحتمل أن تتعثَّر وتتأخّر عملیة إلغاء أنواع الحظر المفروض علی إیران. فعلی سبیل المثال: إن الإدارة الأمریکیة وبسبب الضغوط التي یمارسها الکونجرس، لم تستطع حتی الآن أن تزیل أنواع الحظر المستقل الذي فرضته علی الجمهوریة الإسلامیة.
وجاء في تقریرٍ لوکالة رویتر للأنباء، بأن البنوک البریطانیة، وخشیةً من أنواع الحظر الأمریکي التي لا تزال مفروضة ضد إیران، مُتَردِّدة حالیاً في المشارکة في التجارة مع إیران.
وفي تقریر آخر لرویتر نقلاً عن مندوب تجاري بریطاني کتبت تقول: «بکل أسف تواجهنا مشاکل کثیرة حتی الآن حیث نحتاج إلی الوقت لإجراء محادثات في هذا الشأن».
وأضاف المندوب المذکور قائلاً: «بالرغم من إلغاء أنواع الحَظر الناتج عن البرنامج الذري ضد إیران، فإن الکثیر من أنواع الحَظر المستقلّ الأمریکي المفروض علی إیران لا یزال قائماً.

ولهذا السبب فإن البنوک البریطانیة خوفاً من العقوبات التی قد تتجاوز الملیارات من الدولارات، لا تزال متردِّدة في التعامُل مع إیران.
ومن جهة أخری فقد ازدادت التهجّمات اللفظیة والکلامیة بین المسؤولین الأمریکیین والإیرانیین، بعد أن ازداد اتّساع البرنامج الصاروخي الإیراني والذي یمکن أن یترک أثراً سلبیّاً علی مسألة إلغاء الحظر الأمریکي المستقل ضد نظام طهران.
فبعد لقاء جون کیري وزیر الخارجیة الأمریکي مع وزراء خارجیة البُلدان الأعضاء في مجلس تعاون الخلیج الفارسي، صرح المذکور أن البلدان العربیة في المنطقة، قلقة من الاختبار الصاروخي الإیراني. وأعرب عن استعداد أمریکا لحلّ النزاعات والمناقشات بصورة سلمیة.
لقد واجه تصریح جون کیري؛ ردّ فعلٍ عنیفاً من قِبَل محمد جواد ظریف وزیر خارجیة إیران، وعلي أکبر ولایتي مستشار مرشد النظام للشؤون الدولیة. وقد وصف ظریف ما قاله جون کیري بأنه «لیس له أي أساس»، وأضاف قائلاً: «إن البرنامج الدفاعي للجمهوریة الإسلامیة لیست له أیّة صلة بالاتفاق الذري. وقد وافقت وزارة الخارجیة الأمریکیة علی ذلک أیضاً».
أما ردّ الفعل الأشد فقد جاء علی لسان «علي أکبر ولایتي» مستشار مرشد النظام للشؤون الدولیة الذي کان یُعبّر بصورة جلیّة عن وجهات نظر خامنئي. فقد تهجّم بشدّة علی السیاسات الأمریکیة، کما شرح مواقف إیران حول سوریا أیضاً. إن تصریحات ولایتي بالنیابة عن خامنئي، أکّدت علی استمرار عداء الجمهوریة الإسلامیة ضد أمریکا. وفي تصریحاته التي أدلی بها في برنامج تلفزیوني، أشار إلی تصریح جون کیري وقال «إن شؤون الدفاع عن بلادنا أمر لا یمکن التفاوض بشأنها، ولیس لأمریکا الحق بتحدیدها».
وتساءل ولایتي قائلاً: «لماذا یَحقِّ للبلدان الحلیفة لأمریکا أن تمتلک القدرات العسکریة، في حین تبقی الجمهوریة الإسلامیة محرومة من امتلاک القدرة الصاروخیة»؟
وأضاف مستشار خامنئي للشؤون الدولیة قائلاً: «إن موقف مرشد الجمهوریة الإسلامیة هو المقاومة أمام أطماع العالم الغربي وأمریکا، وفي هذا المجال لیس هناک أي تفاوض سرّي».
وفي جزءٍ آخر من تصریحاته، دافعَ ولایتي بشدّة عن بشّار الأسد وأعلن أن إیران تستجیب للطلب القانوني لرئیس الجمهوریة السوریة وتساعد سوریا في الکفاح ضد الإرهابیین، حسب قوله.
وخاطَب ولایتي أمریکا والغرب قائلاً: «إن وجود أوعدم وجود بشّار الأسد في السلطة، لا یعنیکم مطلقاً، لأن الشعب السوري هو الذي یتّخذ قراره بهذا الشأن. فَتَنحّي بشار الأسد عن السلطة، یُعتَبر خطّاً أحمر بالنسبة لنا».
وأضاف مستشار خامنئي قائلاً: إن الأمریکیین یحاولون تأسیس نظام عمیل ومؤید لهم في سوریا، ولکن لم ینجحوا ولن یحقّقوا أمنیتهم مستقبلاً.

اندلاع الخلافات الشدیدة في إیران

إن اختبار الصواریخ الإیرانیة البعیدة المدی، لم یتسبَّب في بروز مناقشات علی المستوی الدولي فحسب، بل إن هذه المسألة أثارت خلافات شدیدة جداً بین خامنئي وأصحاب النفوذ التابعین له وقادة قوات حرس الثورة الإسلامیة والأجهزة التي یشرف علیها المرشد من جهة، ومن جهة أخری بین حکومة حسن روحاني والمعتدلین والإصلاحیین، واندلعت خلافات جدیدة بین الأجنحة المختلفة في النظام.
الجدیر بالذکر أن المفاوضات الذریة کانت قد جرت بین حکومة روحاني وبین القوی العالمیة السّت، بالاستناد إلی الضوء الأخضر الذي منحه المرشد خامنئي، وتوصَّلت إلی النتیجة المطلوبة. ولکن یجب ألا ننسی أن خامنئي في الوقت الذي وافق فیه علی المفاوضات الذریة والاتفاق الذي تمّ التوصل إلیه، اتّخذ طوال فترة المفاوضات التي استغرقت 18 شهراً، مواقف متناقضة، کما أشار في خطاباته المتعدّدة إلی تشاؤمه بالنسبة لأمریکا، ووصفها بأن لا یمکن الاعتماد علیها أو الوثوق بها.
وحتی الآن حیث تم الاتفاق الذري، ویقوم الجانبان حالیاً بتنفیذه، فإن هجمات خامنئي لا تزال متواصلة. إن هدف مرشد النظام کان ولا یزال هو إشعال نار الخصام ضد أمریکا علی اعتبار أن هذا الخصام والعداء هو «قیمة ثوریة وإسلامیة» وفي الوقت نفسه فإنه عن طریق بثّ التفرقة بین الأجنحة السیاسیة، یواصل المرشد ترسیخ قیادته بوصفه صاحب القرار النهائي في البلاد. وبالتزامن مع ذلک طرد منافسیه السیاسیین من الساحة.
هذا ویبدو أن علي خامنئي یعتبر التعامُل الذري والتساوم مع أمریکا واُوربا فشلاً وهزیمة لمنصبه. ولهذا السبب فإنه في أعقاب الاتفاق الذري، یعتزم إثارة أزمة أخری -هذه المرّة الأزمة الصاروخیة- وذلک لکي یُثبِتَ للعالم الغربي وللجماعات الداخلیة في إیران مدی اقتداره.
في هذا الظروف بادرت حکومة حسن روحاني والمسؤولون من ذوي الاتّجاه المعتدل، ودعاة الإصلاحات إلی السعي لتنفیذ هذا الهدف وهو أنه من أجل إزالة مشاکل إیران وتطبیع العلاقات مع البلدان الغربیة ومن ضمنها أمریکا، ینبغي إجراء مباحثات جدیدة مع القوی العظمی الغربیة، وأیضاً مع بلدان المنطقة، لکي یکون بإمکان إیران العودة إلی المجتمع العالمي کعضوٍ موثوق.
تجدر الاشارة هنا إلی أن اقتراح حکومة روحاني والمعتدلین ودعاة الإصلاحات حول ضرورة إجراء محادثات جدیدة مع المجتمع العالمي بغیة تسویة المشاکل المتبقیّة مع العالم الغربي، جاء بعد فوز العناصر المعتدلة ودعاة الإصلاحات في انتخابات مجلس الشوری الإسلامي ومجلس خبراء القیادة التی جرت في إیران في شهر فبرایر/شباط الماضي، حیث أثارت هذه التطورات بشدّة قلق خامنئي خشیة أن یقوم المعتدلون بتنفیذ برامجهم السلمیة بالمشارکة مع المجتمع الغربي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.