«خصخصة الإرهاب» .. عصابات تمنح «الامتياز» لأتباعها/محمد طيفوري

الإقتصادية السعودية
منطق الولاء يحول العصابة إلى شركة

منذ الحرب الباردة إلى الآن، عرفت الجيوبوليتيك العالمية حركية متزايدة؛ بفعل تسخير مستجدات التطور التكنولوجي التي أسهمت في إحداث منعطفات كبيرة فيها. وصرنا في الوقت الراهن نشهد عودة ممارسات خِلنَاها منحصرة بين دفتي كتب التاريخ فقط، بيد أنها أبت إلا أن تعود وبقوة لتحتل واجهة نشرات الأخبار العالمية، وتصنع الحدث اليومي بشكل تعجز كلمات قواميس كل اللغات العالمية عن وصف وحشيته وبربريته.

3404

الحديث هنا عن منطق الصراع الحاكم بين القوى الدولية، الذي “يُفترض” أن يكون بين دول بحكم أنها أشخاص فاعلة في القانون الدولي؛ ذات شرعية في الهيئات العالمية، وما يترتب عن ذلك من فض لهذه النزاعات بقوة السلاح أو حكمة الدبلوماسية في أروقة هذه المؤسسات بحسب طبيعة كل صراع على حدة.

لكن عودة هذه الظواهر جديدة/قديمة التي تحيي في الذاكرة عصر السيبة والفوضى الذي عاشت فيها البشرية طوال القرون السالفة، ومقصد القول هنا تلك التنظيمات التي تظهر في هذه الدولة أو تلك بالعدة والعادة اللتين تجعلانها دُويلة داخل الدولة، وخارج عن سلطة وسيطرة الدولة نفسها. وعليه يكون اشتغالها بمنطق العصابة -التي ظنت البشرية أنه كان في خبر كان-، إذ تتجاوز أفعالها الحدود وتوجد أزمات بين الدول، وتؤثر في الأمن والاستقرار في مناطق بأكملها.

وجب التأكيد على تمييز بسيط غير أنه فاصل وجوهري في الموضوع بين تلك القوى التحررية المقاومة من أجل تحرير أراضيها من المستعمر، أو تلك الحركات التي تعمل على استعادة حريتها من طاغية استبد بالدولة والشعب وحولها إلى ملك خاص به. وبين العصابات طي الحديث التي تعتمد النعرة الطائفية أو القبلية أو “الدينية” أو خليط من الكل “جماعة بوكو حرام، حركة الشباب الصومالي، تنظيم القاعدة، داعش…”.

تنأى ورقة كهذه عن التعرض للتفاصيل الخاصة بكل تنظيم على حدة، وإن كان عديد من القواسم المشتركة قائما بينها، فكلها تسعى إلى الاستقطاب والتمكين في الأرض وإقامة “مشروعها” الذي تراه الخلاص والمنقذ من الضلال للبشرية. وعليه نكتفي بتقديم قراءة في منطق واستراتيجية عمل العصابة الأم “داعش” التي أضحت النموذج المثالي لدى بقية التنظيمات.

خصوصا أنها طورت استراتيجياتها وجددت في أساليب العمل وأدواته، إذ ظهر مع مرور الوقت أن “داعش” جعل الجميع في فسطاط الكفر والتحريف والخروج عن “الدين القويم”؛ فسياسات الرق والاستعباد وطرق القتل المستهجنة وفرض الجزية واستباحة دماء باقي الملل والطوائف، وصولا إلى حفلات الإعدامات الجماعية في حق أبناء “التنظيم” ممن يرتدون عنه أو يشككون فيه أو يناقش شرعية أعماله. كلها أمور مستجدة قبل عقد من الآن، ولم تكن ترد على بال غلاة المتطرفين. وبذلك تعلن عصابة “داعش” أن نمط التدين الذي تسوقه للدعاية والاستقطاب ليس الرابط الجوهري المعتمد داخل أجهزتها بل العصبية والولاء المطلق “للتنظيم”.

منطق الولاء هذا يحول هذه العصابة إلى شركة عابرة للحدود تبحث لها عن ممثلين في كل أصقاع العالم تعتمد عليهم في تنفيذ مخططاتها، حتى أضحى العالم بأسره ساحة مفتوحة أمام هذه العصابة، بفضل وسائل التواصل الحديث التي تعفي وكلاء المحليين للعصابة من الانتقال إلى المقر المركزي للشركة، بغية تلقي التدريب والتأطير اللازمين قبل الخروج للتنفيذ “كان ذلك منهج عمل تنظيم القاعدة”.

بمجرد ما يحظى الشريك الجديد بالأهلية، ويتم قبوله في الشركة تتولى الأجهزة المختصة في العصابة تزويده عن بعد بالمعدات والبرامج والخطط التي سيعمل وفقها، والأماكن المستهدفة وما إلى ذلك، وكأننا أمام ما يعرف في عقود التجارة الدولية بعقد الامتياز التجاري franchaise حيث يحرص نائل الامتياز على الانضباط لكل الشروط والعمل وفق دفتر التحملات الذي يفرضه عليه مانح الامتياز.

اهتدت “داعش” في استراتيجيتها كذلك إلى فتح فروع رسمية لشركتها في بعض مناطق التوتر (ليبيا، سيناء،…) على نفس منهج تنظيم القاعدة سابقا، بهدف استعراض القوة أولا، وضمان التمدد والانتشار الميداني ثانيا، وثالثا التقرب من الجمهور لضمان مزيد من الزبائن أي الموالين الجدد.

يحظر منطق الشركة التجارية لدى “التنظيم” في تعامله مع وسائل الإعلام والإشهار والترويج الذي يقوم به لنفسه، فالأمور تتم بدقة واحترافية عالية لم تصلها أي عصابة سابقة. فالمعركة الإعلامية ميدان لا ينبغي التفريط فيه ولا خسارته، لأنه قناة التواصل مع الأنصار والمريدين و”الجمهور”، لذا نجد “داعش” تغزو وسائل التواصل الاجتماعي “تويتر، فيسبوك، يوتوب…” ولها مجلة وحريصة على التواصل بلغة البيانات عقب كل عمل تقوم به من أجل البقاء قريبا من المستهلك بلغة الشركات.

يبقى الفارق الوحيد بين هذه العصابة وأي شركة عابرة للحدود في سعي هذه الأخيرة إلى خدمة مصالح الشركاء بتحقيق الأرباح، ومن خلالهم المجتمع ضمن إطار المسؤولية الاجتماعية للشركات بتبني مشاريع خيرية أو قضايا بيئية أو غيرها مما فيه المصلحة العامة للفرد والجماعة. بينما هدف تلك العصابة وأخواته يكمن في إثارة الفتن والتخريب وإهلاك الحرث والنسل في الأرض.

هذه المقارنة بين منطق عصابة داعش والشركة العابرة للحدود ليست من باب الضحك والسخرية، لأن ما يقدم عليه هؤلاء القتلة من إجرام وترويع وفساد في البر والبحر والجو يستدعي الحزن والكمد والحسرة على أرواح أزهقت وعقول خربت بفعل حفنة من المجانين ممن يرون في أنفسهم البقية الباقية على الصراط المستقيم دون غيرهم.

قلت إن هذه المقارنة من باب ضرورة إعادة التفكير في طرق مواجهة هذا التنظيم، فالمقاربة العسكرية لم ولن تجدي نفعا ما دام منطق هذه العصابة أكبر بكثير من جماعة في رقعة جغرافية بمجرد تطهيرها سترتاح الإنسانية من ويلات الفزع الذي تُحدِثه.

إن مواجهة “داعش” تستدعي التفكير في آليات التصدي لـ “داعش الفكرة” ومعها “داعش التنظيم”؛ فالقضاء على “التنظيم” لا يعني حتما ضمان السلم والأمن، لأن أهل “داعش” كفكرة كثر، وليسوا بالضرورة في زمرة من داخل الحدود الجغرافية “للتنظيم” هناك في العراق أو سورية. وإنما منتشرون بيننا يتحينون الفرص للقيام بمهامهم الإجرامية؛ ولا أدل على ذلك مما شهدته بعض الدول من أعمال قام بها أبناؤها ممن أصيبوا بحمى التطرف “السعودية أخيرا”، أو كانت على وشك أن يحدث كحال خلية جنوب المغرب التي تم إيقافها يوما قبل تنفيذ أفعال ستكون تداعياتها على المغرب.

نقلأعن إيلاف

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.