«المرشد» الثاني.. «الإمام الثالث»/فـــؤاد مطـــر

عرفتُ خير معرفة الدكتور حسن الترابي الذي رحل يوم السبت 5 مارس (آذار) 2016 عن 84 سنة من الأجواء الدينية إلى الأجواء الصوفية في بيت العائلة وقبيلة البديرية المرموقة في شرق السودان إلى الدراسة الدينية ثم الفقهية ثم العلمانية بين أوكسفورد في بريطانيا والسوربون في فرنسا، ثم العمل السياسي ومعاناة رص الصفوف والسعي الدؤوب نحو قمة السلطة وتحمُّل خيبات الأمل وتنوع الإقامات الجبرية.

3324

وكانت لي معه ساعات من جولات الأفق حول أمور السودان ودول الجوار والرؤى الإسلامية الطموحة كلما كنتُ أزور الخرطوم أو ألقاه خارج السودان مبتعدًا بكامل الرضا أو مُبعدًا بالإكراه. كما أنني عرفْته من خلال صفحات مؤلفاته التي كانت تصلني منه وأنا في لندن كناشر لمجلة «التضامن» التي أعطت قضايا السودان بحلوها ومرّها كثيرًا من الاهتمام الذي قوبل من إخواننا أهل السودان بتصنيفهم لي أنني «أخو إخوان».
في استمرار كان الدكتور حسن والشيخ حسن واحدًا في شخص واحد عندما نتحدث معه ونناقشه. كما هكذا كان وهو يتكلم أمام جمْع حاشد أو مِن على منبر البرلمان أو عبْر لقاءات فضائية أو إذاعية أو مقابلات صحافية.

وفي هذه الثنائية كان واضحًا لي على الأقل أن الدكتور الترابي مسكون بفكرة أن يكون هو «الإمام الثالث» في السودان بعد الإمام الصدِّيق (ابن الإمام عبد الرحمن الذي توفي يوم 24 مارس 1959) ثم الهادي الذي يقود طائفة «الأنصار» والإمام السيد محمد عثمان الميرغني الذي ورث دفة القيادة بعد رحيل والده الإمام السيد علي الميرغني عام 1968. وهو من أجل ذلك صمم للمكانة التي يتطلع إليها صفة متميزة بحيث يكون «الإمام الثالث» للجموع التي ليست أنصارية وليست ختمية وهي تتوزع على توجهات تجمع بين الأفكار العلمانية والتراث الديني. ولعله من أجل ذلك تجاوز بكثير الحالة التي كان عليها حسن البنا في مصر مقتربًا بعض الاقتراب من سيد قطب في البداية مطورًا لاحقًا رؤيته الجامعة بين جوهر الدين وروح العصر. ونراه في هذا السبيل بدأ يتحدث أحيانًا بمفردات أهل الفتوى غير بعيد في ذلك عن النهج الذي سلكه يوسف القرضاوي.

إلى ذلك فإن الخلفية الأُسرية له والحضور المتميز لعائلته في شرق السودان ثم مصاهرته لآل المهدي (السيدة وصال إحدى بنات الإمام وشقيقة السيد الصادق) كانت بضع نقاط في التطلع الطموح له. وهو من أجل ذلك واقتناعًا منه بأنه قادر على خوض غمار تجربة «الإمام الثالث» اكتسب من مرحلة العمل بجوار الرئيس جعفر نميري خبرة التعامل مع عسكريي السودان بمعنى أنه قرأ ما يدور في خاطر أبناء المؤسسة العسكرية وهو أمر كان على درجة من اليسر كونه شغل منصب وزير الخارجية في فترة زمنية كانت الحاجة ماسة من جانب الرئيس نميري إليه. وبهذا التقرب المشترك؛ تقرُّبه المتعمد من ضباط واعدين في الجيش وإعجاب بعض هؤلاء بحديثه وبالذات بالمفردات الإسلامية التي يستعملها في أحاديثه، نشأ نوع من الانسجام. ومناسبة بعد أخرى أحدث الدبلوماسي الترابي اختراقات في أوساط المؤسسة العسكرية، أي بما معناه باتت هنالك خلية ترابية داخل المؤسسة لا يدري الرئيس نميري بأمرها، لكنه في الوقت نفسه منبهر هو الآخر بالرؤى «الترابية» الإسلامية وإلى درجة أنها جعلتْه فجأة يقرر اعتماد قوانين إسلامية ويضع لهذا التوجه من جانبه كتابًا سماه «النهج الإسلامي.. لماذا» وبدأ يقرِّب بعض رجال الدين إلى مجلسه، وهؤلاء تسببوا بجفوة حدثت لدى نميري الذي أنهى العلاقة مع الدكتور الترابي، كما أنه ذهب بعيدًا في موضوع النهج الإسلامي، حيث طلب جمْع كل ما في فنادق الخرطوم وأسواقها ومطاعمها من زجاجات خمر وجرى تكديس هذه الزجاجات على شاطئ «المقرن» ملتقى النيل الأبيض بالنيل الأزرق ورميها في النهر، بينما نصح البعض ببيعها لتجار جنوبيين وتوزيع الثمن على فقراء العاصمة والمحتاجين الكثر فيها. ولم يؤخذ بالنصيحة. كما أن الجنوبيين بدأوا يرون أن اعتماد القوانين الإسلامية سينال منهم القصاص فازدادوا ابتعادًا عن الحكم، وبذلك تعززت التوجهات نحو الانفصال الذي حدث لاحقًا في عهد الرئيس عمر البشير وقامت «دولة جنوب السودان».

بعد الانقلاب غير المألوفة طبيعته على الرئيس نميري الذي أخذه على عاتقه وزير الدفاع الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، بينما نميري في زيارة إلى الولايات المتحدة، بدأ الدكتور الترابي يكثف تأهيل الخلية العسكرية التي كان بدأ عدد أفرادها يزداد. ثم رأى في تعثُّر الحُكْم المدني الوريث لنظام نميري المتعارَف على تسميته «نظام مايو» وعزوف الفريق سوار الذهب عن البقاء في ذمة القيادة غير ناكث بما تعهَّد به وهو أن يبقى بعد إسقاط «نظام مايو» رئيسًا لفترة انتقالية مدتها سنة يسلِّم بعدها المقاليد إلى حُكْم مدني، أن هذه فرصة مواتية له لكي يحقق ما تبيَّن أنه ما زال يحلم به وهو أن يكون من خلال التيار الإسلامي الذي بدأ يتمدد في أوساط طلاب الجامعة وداخل المؤسسة العسكرية ثالث الأقوياء في السودان خصوصًا بعدما وهَنَ عظم «الأنصار» و«الختمية» معًا. وشجعه على ذلك أن الجنرال سوار الذهب وعد وكان عند كلمته، مسجلاً بذلك أنه ثاني جنرال عربي يزهد بالسلطة بعد اللبناني الجنرال فؤاد شهاب الذي أبى تجديد رئاسة مضمونة له ونأى بنفسه عن السياسة تمامًا معتزلاً في منزله.

كانت أجواء التجربة الثورية الإيرانية استهوت الدكتور الترابي، وغالب الاعتقاد أنه رسم لنفسه دورًا في الحكم يكون فيه هو«المرشد» كما الخميني وبعده خامنئي ما دام بات جاهزًا لطرح نفسه أمام الرأي العام السوداني بصفة «الإمام الثالث» إلى جانب «الإمام الصادق المهدي» الأنصاري و«الإمام السيد محمد عثمان الميرغني» الختمي. وافترض أن عمر البشير، سيكون الوجه العسكري التنفيذي للنظام على أن يكون هو المرجعية الدينية أو كما أشرنا «المرشد». لكن البشير لم ترق له بطبيعة الحال الصيغة وبدأت الحساسية بين الاثنين تتفاعل وتلتها انقسامات في الصف فكانت «ثورة الإنقاذ» بأسلوب الانتفاضة. وبعدما اتخذت المحكمة الجنائية الدولية قرارًا بأن يسلِّم الرئيس البشير نفسه إليها وقف الترابي مع الفكرة وإلى حد مطالبة رفيق «الإنقاذ» تسليم نفسه اعتقادًا من الدكتور الترابي أنها فرصته الذهبية ليكون بالفعل ذلك «المرشد» متكلاً على أن له داخل حلقات الحُكْم والمؤسسة العسكرية محازبين له.

وعملاً بأصول الوفاء افترض الدكتور الترابي أن الرئيس البشير سيرى في ما يخص فكرة تسليم نفسه إلى الجنائية الدولية أنها مجرد وجهة نظر قابلة للأخذ والرد. لكن الرئيس البشير وجَّه على الفور باعتقال الدكتور الترابي ووضْعه في سجن «كوبر» مقتبسًا بذلك أسلوب الرئيس حافظ الأسد الذي وجَّه بنفي ميشيل عفلق مؤسس الحزب (البعث) الذي ينتسب إليه الأسد وبقي في المنفى ثم بعد وفاته لم يُسمح بدفنه في بلده سوريا.

تكررت عملية اعتقال الترابي والتي راوحت بين «كوبر» و«استراحة» حكومية. وكاد الرجل الذي اقترب من الثمانين من دون أن يسأم يتحول إلى «مانديلا سوداني» لولا أن القدر سار عكس ذلك. فقد تعب القلب وكان يوم السبت 5 مارس 2016 شبيهًا بيوم 28 سبتمبر (أيلول) 1970 عندما أُغمي على الرئيس جمال عبد الناصر وهو في مطار القاهرة يودع آخر القادة الذين شاركوا في قمة استثنائية دعا إليها. وبعد أربع ساعات وهو على سريره في منزله الذي نقلوه إليه بدل نقْله إلى المستشفى أسلم الروح من دون أن يتمكن الأطباء من إنقاذ الأزمة القلبية التي أصابته والمثيلة للأزمة التي أصابت الدكتور حسن الترابي وهو يعمل في مكتبه مواصلاً على الأرجح الحُلم بأن يكون بالفعل ذات يوم «المرشد الثاني».. «الإمام الثالث».
وأسلم الروح وهو في المستشفى حالمًا، كما حلم عبد الناصر بأن يزيل آثار هزيمة 5 يونيو (حزيران) 1967. ولكن الله الذي أعطى هو الذي أراد وأخذ. رحمة الله على الاثنين.

نقلأ عن إيلاف

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.