التحالف الاسلامي ومغامرة الغزو السوري/دياري صالح مجيد

في الوقت الذي بات فيه ما يعرف بالتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن عاجزا عن تحقيق اهدافه المعلنة في كل من سوريا و العراق فيما يتعلق بمكافحة الارهاب و الحد الفعلي من خطر داعش على منظومة الامن العالمي و الاقليمي، باتت اطراف هذا التحالف في حالة تصدع مستمر و انقسام مزمن في مواقفها و ايضا اهدافها التي تبدو بانها بالنتيجة لا تلتقي في مساحات مشتركة كثيرة في ظل هواجس و تنافس ضمني على المواقع والاهمية داخل بنيتها الوظيفية في هذا التحالف الهش الذي يفتقد الى الثقة بعيدة المدى بين عناصره.

3341

ميدانيا تسعى تركيا بالتعاون مع دول الخليج الى الحضور المباشر في حلبة التنافس السوري في حرب شرسة يصعب عليها بالنتيجة ان تدير مخرجاتها بالطريقة التي تفضي الى مزيد من الثقل الجيوستراتيجي لموقع تركيا في الشرق الاوسط. فتركيا التي تستخدم كغيرها شعار مكافحة الارهاب لترى من خلاله فقط الاكراد كمجموعات ارهابية يجب توظيف التحالف الاسلامي لخدمة تقزيم دورهم و طموحهم، هي الاخرى لازالت بعد مسكونة في سلوكها السياسي بتراكمات مرحلة الحرب الباردة حيال الملفات الحرجة في الجوار خاصة حين يتعلق الامر بتداخلات التاريخ السوفيتي – الكردي.

لذا ترفع تركيا عصا مكافحة الارهاب و عينها على العدو الاخر الذي ترى فيه تهديدا لامنها الوطني الذي بات في نظر مخططي استراتيجيتها على المحك بفعل قدرة هذا العدو على تنظيم ذاته في سوريا بطريقة اسهمت في وقوفه ضد مشاريع داعش و بقية القوات التي تستمد عناصر ادامة زخمها و تواجدها المضر في الساحة السورية عن طريق المساعدات العسكرية و الاستخبارية التي تصلها عبر الاجهزة الرسمية التركية. وهي قضية بات الاتراك انفسهم يشتكون كثيرا من اضرارها على تأزيم العلاقات الداخلية في تركيا في ظل اثرها في استثارة مشاعر العداء ضد النشاط السياسي لحكومة حزب العادلة و التنمية بعد سنوات 2011 التي ادت بالمحصلة الى مزيد من الفوضى في نطاقات تركية مهمة و اخرى ذات امتداد واسع في الجوار السوري تحديدا.

يردد كثير من الاتراك اليوم ومن يعملون في سياق منظومتهم ذات العبارات النقدية التي اطلقت من قبل العديد من المهتمين داخل تركيا و خارجها بمتابعة السلوك السلبي للحكومة ودوره في انتاج داعش كاداة متقدمة للهيمنة، وهي عبارات تستخدم اليوم بطريقة مخاتلة و مخادعة من قبل السلطة هذه المرة في عملية سطو لغوية و فكرية للعمل من خلالها على اقناع اكبر عدد ممكن من الذين يسهل خداعهم بان سوريا و النظام الروسي تحديدا هما من يقفان وراء قيام داعش و يملكان معها علاقات وطيدة و حوارات سرية برعاية ايرانية لادامة امد التواجد الرسمي لموسكو التي يروجون الى انها باتت مهددة في ظل امكانية دور التحالف في ازالة داعش من جغرافية سوريا.

فهل موسكو و سوريا التي تحارب منذ 5 سنوات مليئة بالتضحيات و الخراب الذي طال المدن و التراث تعيشان في نزهة ؟. وهل يمكن في هذا المشهد نكران الدور الذي اسهمت به قوى ما يسمى بالتحالف الاسلامي في انتاج داعش ثقافيا و عسكريا ؟!.

جبهتي حلب و الرقة تسهمان يوميا في اضفاء مزيد من الوهن في الجسد المترنح لداعش و القوى التي تقف وراءه، وهما جبهتان تشكلان قلب الجغرافيا الحرجة للارهاب في سوريا. استعادتهما ستعني الكثير في مقاييس الجيوبولتيك السوري الذي بات اكثر قدرة على التمدد في الساحات المهمة التي يبدو بانها كشفت وهم القوى التي كانت تراهن على تتابع انهيار المدن السورية في الفترة الماضية.

ترافق مع كل هذه التطورات حديث عن نية التحالف الاسلامي في الدخول البري الى سوريا حيث يتم التحشيد في قاعدة انجرليك العسكرية لقوات قتالية اسلامية برعاية تركية و ايضا قيادة ضمنية امريكية. واشنطن غير مستعدة بعد بشكل فعلي للخوض في تجربة التدخل البري في ظل الاتزان الذي تتصف به المؤسسة العسكرية حاليا في دمشق. كما انها غير راغبة بعد في ان تعود لتكرار اخطاء تواجدها في عراق ما بعد 2003. لكن بالمقابل هنالك اندفاع تركي لملا الفراغ الذي سينجم عن انهيار داعش.

هذا الاندفاع بات مصدر ارباك متزايد للعلاقة بين انقرة و واشنطن، خاصة و ان الاخيرة لوحت مرارا الى ان قوات حماية الشعب الكردي ليست بمنظمة ارهابية. وهو ما اثار ردود فعل غاضبة داخل منظومة السياسة التركية. تركيا باتت اكثر عزلة في تحالفها الاسلامي في مقابل التفاهمات الامريكية – الروسية التي يبدو بانها هي من ستحدد مسار التفاعلات القادمة في ملف داعش ومن خلاله المستقبل السوري.

بوادر الانكفاء في الدور التركي تجعل من اي مغامرة برية انتحارا سياسيا لحزب العدالة و التنمية و خطأ استراتيجيا سيقود لاحقا الى مزيد من الفوضى في المنطقة. للتذكير هنا نشير الى احد الاراء المهمة التي اطلقها وزير الخارجية التركية الاسبق (يسار ياكس ) و التي حذر فيها من ان هذه الخطوة ان حصلت فان اولى ارتداداتها الجيوبولتيكية سيشعر بها الاتراك في لواء الاسكندرون في حال لحقت الهزيمة بالجيش التركي و سمحت في مثل هذا المشهد بمزيد من التأزيم لموقفها في الدفاع عن هذه المدينة.

لذا يؤكد هذه الفكرة بالقول ” ان العالم لن يتقبل فكرة التدخل العسكري التركي في سوريا بهذه الطريقة. حيث سيقود ذلك الى اعادة رسم الحدود الجغرافية من طرف واحد وهم الاتراك، الذين لا يأخذون بنظر الاعتبار فرضية هزيمتهم عسكريا واثر ذلك في اعادة تنشيط المطالب التاريخية لسوريا في لواء الاسكندرون “. بالنتيجة النهائية يبدو ان الخطابات الحماسية للقيادة التركية لن تجدي نفعا في تجاوز حقائق الجيوبولتيك السوري. لذا بات واضحا بان التحالف الاسلامي عاجز تماما عن القيام بمغامرته تلك في الوقت الحالي.

التخبط في التصريحات الرسمية لكبار القيادات التركية و حلفائهم يبين حجم الصدمة التي يشعر بها دعاة هذا المشروع. من يتجاوز حقائق الجيوبولتيك، عادة ما يمنى بالخسائر التاريخية. ومن يتتبع تراث الدولة العثمانية سيجد فيه الكثير من الاثباتات التي تؤكد بان الجوار التركي كان دوما مصدرا للتحولات الكبرى التي تؤثر في البنية المستقبلية للقوى الاقليمية.

التدخل العسكري المباشر كان حتى اللحظة مُقيدا بتفهم بعض الاتراك لما ينتظرهم في حال الاقدام على تلك الخطوة. بالنهاية حماقات الساسة و احلامهم الواسعة لإعادة انتاج الامبراطورية العثمانية كفيلة في اثبات ان التاريخ احيانا يعيد نفسه خاصة حين يتعلق الامر بالهزائم الكبيرة. مصداق هذه الفرضية نجدها في احلام النزعة التوسعية التي لا ترى في الهزيمة امرا ممكنا، وهو ما تم تاكيده في تصريحات اردوغان الاخيرة التي قال فيها بتاريخ 22 شباط ” ان لتركيا الحق في القيام بالعلميات العسكرية ليس في سوريا فحسب و بل في اي مكان اخر تتواجد فيه المنظمات الارهابية التي تستهدف تركيا”. اكاديمي عراقي

نقلاأعن إيلاف

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.