رؤية نشوء الكون في لحظة الانفجار الكبير باتت ممكنة/عبد الاله مجيد

أعلن فيزيائيون اكتشاف موجات الجاذبية، التي تنبأ بها ألبرت آينشتاين قبل 100 عام، بعدما رصدوا التغيير الذي أحدثه في بعدي المكان والزمان اصطدام ثقبين أسودين على بعد أكثر من مليار سنة ضوئية عن الأرض.

إعداد عبدالاله مجيد: قال فريق العلماء الدولي إن اكتشاف موجات الجاذبية يدشّن حقبة جديدة في علم الفلك ودراسة نشوء الكون. يأتي الاكتشاف تتويجًا لعقود من البحث، ويمكن أن يفتح نافذة على “الانفجار الكبير”.

2287

يدير فريق العلماء عددًا من المختبرات في أنحاء العالم تطلق أشعة ليزر عبر أنفاق طويلة لالتقاط التموجات التي تحدث في نسيج المكان ـ الزمان. لكن الإشارات المتوقعة من هذه الموجات في منتهى الدقة، بحيث إنها لا تؤثر في أجهزة قياس طول الإزاحة الموجية إلا بمقدار أجزاء من قطر الذرة.

لكنّ مختبرين منفصلين تابعين لمشروع ليغو العالمي في الولايات المتحدة التقطا اصطدام الثقبين الأسودين. وأطلق اندماجهما طاقة جاذبية خالصة تعادل ثلاثة أضعاف كتلة الشمس.

وأعلن ديفيد ريتزي، المدير التنفيذي لمشروع ليغو، في مؤتمر صحافي في واشنطن، أن العلماء اكتشفوا موجات الجاذبية. وقال “إن هذه هي المرة الأولى التي تحدَّث فيها الكون معنا من خلال موجات جاذبية، وكنا قبل ذلك صُمًا”.

وأوضح البروفيسور كارستن دانتسمان من معهد ماكس بلانك لفيزياء الجاذبية ورئيس الفريق الأوروبي في مشروع ليغو أن الاكتشاف من أهم التطورات العلمية منذ اكتشاف جسيم هيغز، ويضاهي اكتشاف تكوين المادة الوراثية.

وقال إن جائزة نوبل تنتظر العلماء بلا أدنى شك. ونقلت بي بي سي عن دانستمان “إنه أول اكتشاف مباشر لموجات الجاذبية وأول اكتشاف مباشر على الإطلاق لثقوب سوداء، وهو تأكيد لنظرية النسبية العامة، لأن خصائص هذه الثقوب السوداء تتفق تمامًا مع ما توقعه آينشتاين قبل 100 عام بالتمام تقريبًا”.

وأكد العالم البريطاني الشهير البروفيسور ستيفن هوكينغ المتخصص في دراسة الثقوب السوداء هذا الرأي، قائلًا إن الاكتشاف محطة متميزة في تاريخ العلم. وأوضح هوكينغ في مقابلة مع بي بي سي “أن موجات الجاذبية توفر طريقة جديدة تمامًا للنظر إلى الكون، وأن القدرة على اكتشافها يمكن أن تحدث ثورة في علم الفلك. فهذا الاختراق هو أول اكتشاف لمنظومة ذات ثقبين أسودين، وأول رصد لاندماج ثقوب سوداء”.

العودة لبدء الكون
أضاف هوكنغ “إننا إلى جانب اختبار النظرية النسبية العامة نستطيع أن نأمل برؤية ثقوب سوداء من خلال تاريخ الكون، بل يمكن حتى أن نرى مخلفات الكون في بداياته الأولى أثناء حدوث الانفجار الكبير”.

وقالت عضو فريق العلماء الدولي البروفيسورة غابريلا غونزاليز من جامعة ولاية لوزيانا الأميركية “إننا اكتشفنا موجات الجاذبية من اندماج ثقوب سوداء، وكان ذلك طريقًا طويلًا، ولكن ما هذه إلا البداية”. وأشارت إلى أن بإمكان العلماء الآن أن يستمعوا إلى الكون بعدما توافرت لهم أجهزة الرصد اللازمة وبعد اكتشافهم منظومات ثنائية من الثقوب السوداء.

وكانت آلات قياس الإزاحات الموجية باستخدام أشعة الليزر في واشنطن ولوزيانا باشرت العمل حديثًا بعد تجديد معداتهما عندما التقطت إشارة من اصطدام الثقبين الأسودين.

وقالت البروفيسورة شيلا روان عضو فريق الباحثين البريطانيين المشاركين في مشروغ ليغو إن اكتشاف موجات الجاذبية “بداية رحلة مثيرة للغاية”. أضافت “أن الحقيقة الماثلة في أننا نجلس هنا على سطح الأرض، ونشعر بنسيج الكون الفعلي يتمدد وينقبض قليلًا بسبب اندماج ثقوب سوداء قبل أكثر من مليار سنة، أعتقد أن ذلك مدهش، ومن المذهل أننا حين بدأنا تشغيل مراصدنا، كان الكون مستعدًا بانتظارنا ليقول “هلو”، على حد تعبير العالمة البريطانية في تصريح لبي بي سي.

مقدمة لدراسة “الكون الداكن”
يتيح اكتشاف موجات الجاذبية لعلماء الفلك أخيرًا أن يدرسوا ما يسمونه “الكون الداكن”، أي المادة التي تشكل القسم الأعظم من الكون، لكنها غير المرئية بالتلسكوبات الضوئية المستخدمة حاليًا.

وسيتمكن العلماء من القاء “نظرة أعمق على الكون”، وبذلك العودة بعيدًا في الزمن إلى جانب دراسة الثقوب السوداء والأجسام الغريبة، التي تُسمى النجوم النيوترونية، وهي شموس عملاقة تنهار، بحيث تصبح بحجم مدن. وقد يكون حتى من الممكن في النهاية تحسس لحظة الانفجار الكبير.

وقال البروفيسور برنارد شولتز من جامعة كارديف البريطانية “إن موجات الجاذبية تخترق كل شيء، وهي لا تتأثر بما تخترقه، وهذا يعني أنها ناقلات مثلى. فالمعلومات التي تحملها موجات الجاذبية هي نفسها تمامًا التي أرسلتها المنظومة، وهذا أمر غير معهود في علم الفلك”. وأضاف أن العلماء بعد اكتشاف موجات الجاذبية يتوقعون “رؤية الانفجار الكبير نفسه في نهاية المطاف”.

حل معضلات عدة
يضاف إلى أن ذلك يمكن أن يساعد علماء الفيزياء في سعيهم إلى حل عدد من أكبر المسائل الفيزيائية، مثل توحيد القوى وربط نظرية الكم بالجاذبية.
وكان العلماء بدأوا البحث عن موجات الجاذبية منذ ما يربو على 40 عامًا، بل إن آينشتاين نفسه كان يعتقد أن اكتشافها قد يكون أبعد مما يمكن أن تصله التكنولوجيا.

وتقول نظرية النسبية العامة، التي وضعها آينشتاين، إن أجسامًا، مثل النجوم والكواكب، يمكن أن تقعّر الفضاء المحيط بها، كما تفعل كرة البليارد حين توضع على لوح مطاطي خفيف مشدود. والجاذبية هي نتيجة هذا التشويه الذي يحدث في الفضاء. فالأجسام ستنجذب إلى الفضاء المقعَّر مثلما تسقط حبة البازلاء في التقعر الذي تحدثه كرة البليارد في لوح المطاط.

وتوقع آينشتاين أنه إذا تغيرت الجاذبية في منطقة ما بصورة مفاجئة، نتيجة انفجار نجم مثلًا، فإن موجات جاذبية ستنطلق عبر الكون بسرعة الضوء متسببة في تمدد الفضاء وضغطه أثناء انطلاقها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.