تركي الحمد لـ”إيلاف”: الجرعة الدينية الزائدة تقتل! / أحمد العياد

في لقاء خص به “إيلاف”، هاجم المفكر السعودي تركي الحمد الجرعات الدينية الزائدة في المجتمع العربي، والافراط في الفتاوى العشوائية، مسلطًا الضوء على الخطاب الديني الذي يجب إصلاحه.

hamad998u

الرياض: لطالما أثار المفكر السعودي تركي الحمد الجدال بكتاباته ورؤاه المختلفة حول كل ما يحيط بحياة مجتمعه، وخصوصًا ما يتعلق منه بالتراث الديني والفكري، وبعلاقة الأفراد ببعضهم وبالتراث.

يقول الحمد لـ “إيلاف” إن الشباب المسلم يسأل اليوم مسائل لا تحتاج إلى فتوى، والأصل في كل شيء الإباحة ما لم يأتِ تحريمه بنص شرعي، “فالجرعة الدينية الزائدة تقتل، مثل جرعة الدواء الزائدة، وهي التي أخرجت داعش والقاعدة من قبلها، عندما نستمع إلى تسجيلات بعض المشايخ ولعبهم على وتر الحور العين واغراء الشباب العاطل والمكبوت جنسيًا، عندما يجد أن ما بينه وبين الجنة والنساء والحور تفجير وقتال، يفعل ذلك من دون تفكير”.

ويشن حملة على الفتاوى الكثيرة في هذه الأيام، قائلاً: “يقول بعض المشايخ إن بناء الحمامات بدعة حيث لم تكن موجودة أيام الرسول، قد تجد مثل هذه الفتاوى مضحكة الآن لكنّ هناك مفكراً مثل فرج فودة قتل بسبب مثل هذه الأفكار والفتاوى”.

وفي ما يأتي متن حوار “إيلاف” مع الحمد:

عند تعيين الوزير أحمد العيسى وزيرًا للتعليم، غردت: “كل الأجيال تشكر الملك سلمان، كلي تفاؤل…” هل تغيير وزير التعليم كفيل بحل جميع مشاكل التعليم المتراكمة؟

طبعًا لا … لكن تعيين هذا الشخص بالذات، صاحب الكتابين المميزين عن التعليم أحدهما عن التعليم العالي والآخر عن اصلاح التعليم، يعطي مؤشرًا عن توجه الدولة نحو التحديث تحديدًا. أذكر عندما كنت طالبًا كان التعليم بمواده مميزاً وأقوى من الآن، لكنه منذ حركة جهيمان ومن ثم حركة الصحوة والتعليم مختطف، مختطف من رجال الصحوة والإخوان الذين تغلغلوا في داخل أروقة الوزارة.

تعيين العيسى لن يكون حلًا جذريًا لمشاكل التعليم لكنه خطوة في الألف ميل لإصلاح التعليم.

الجرعة الدينية الزائدة

هل يستطيع الوزير مواجهة “الدولة العميقة” في مؤسسة التعليم؟

كي تحفر بئرًا لا بد أن تبدأ في ضرب أول معول. هل نقف مكتوفي الأيدي ونكتفي بتكرار جملة أن التعليم مختطف؟ تعيين الوزير بداية لما بعده من التغيّرات، والتي تحتاج تكاتفاً من الجميع، إضافة إلى أن الوعي تغيّر بشكل كبير، أذكر قبل عشرين سنة لا يمكن تصور تعيين رجل مثل العيسى وزيرًا للتعليم، سيأتيك المحتسبون كعادتهم جماعات أمام الديوان معترضين على هذا القرار.

تويتر أعطانا نوعًا من قياس الرأي العام، عندما نقارن بين وضعنا الآن ووضعنا قبل عشر سنوات أصبح الجميع ينتقد ويفكر ويتغيّر. باختصار نحن الآن في عالم معاصر، لنا علاقات مع دول أخرى إن لم نصبح جزءًا من هذا العالم أو نضيع لأن العالم لن ينتظرنا، الدولة غيّرت اتجاهها لأن بين المعاصرة ومجاراة العالم أو التخلف والموت.

لا أعتقد هؤلاء من يسمون أنفسهم مدافعين عن الدين أنهم يدافعون عن الدين، بل هم مدافعون عن مصالحهم وتأثيرهم في المجتمع. هناك نقطة مهمة يجب أن يعيها الجميع وهي أنه لا يمكن أن نعود إلى الوراء مهما حاول البعض جرنا إلى الخلف، بعد نشوء حركة داعش وأحداث باريس أصبحت العيون وأصابع الإتهام موجهة صوبنا بأنكم أنتم من صنع فكر داعش، فبالتالي لا نستطيع التعامل مع العالم الآخر إلا بتغيير حقيقي لدينا.

وحينما ينتقد الإسلاميون ابتهاجنا بتعيين العيسى، سؤالي هو ما الحلول التي قدمها الإسلاميون من خلال احتضانهم التعليم عشرات السنين؟ البلد امتلأ بخريجي الجامعات الذين لا يفقهون شيئًا، تجد خريج جامعة عنده أخطاء كثيرة في الإملاء والنحو، ملقنين أيديولوجيا بشكل يجعلهم لايفقهون شيئًا. سوق العمل يحتاج شبابًا بتخصصات معاصرة وعينات مختلفة. وعندما نجد جامعة مثل جامعة الإمام محمد بن سعود، يتخرج منها سنويًا المئات من أصحاب التخصصات الدينية والثقافة الإسلامية، ما الفائدة من ذلك وماذا نفعل بهذا العدد منهم؟

يعني حتى معظم المسائل الدينية تجد اجابتها في محرك البحث غوغل، حتى هناك الكثير من المسائل التي لا تحتاج للرجوع إلى شيخ أصلًا كمسألتي الزكاة والورث وغيرهما من المسائل، وإذا لم نقم بهذا التغيير في التعليم والجامعات سيتراكم عدد العاطلين وتزداد البطالة وتتحول المشكلة من مشكلة إجتماعية إلى مشكلة سياسية. يعني هل المجتمع بحاجة إلى تكثيف الدراسة في الفقه؟ ماذا يحتاج المسلم العادي ليمارس عباداته؟ معرفة أركان الإسلام وحفظ ما تيسر من القرآن وبعض الفروض كي يؤدي صلواته وعباداته. إذًا، التعمق في الدين… لماذا؟ كان الشيخ الجليل علي الطنطاوي يستغرب كثرة الأسئلة التي تأتيه فيقول “أنتم تسألون عن مسائل لا تحتاج إلى فتوى، والأصل في كل شيء الإباحة ما لم يأتِ تحريمه بنص شرعي. فالجرعة الدينية الزائدة تقتل، مثل جرعة الدواء الزائدة، وهي التي أخرجت داعش والقاعدة من قبلها، عندما نستمع إلى تسجيلات بعض المشايخ ولعبهم على وتر الحور العين واغراء الشباب العاطل والمكبوت جنسيًا، عندما يجد أن ما بينه وبين الجنة والنساء والحور تفجير وقتال، يفعل ذلك من دون تفكير . باختصار، نحتاج إلى تجديد الخطاب الديني. عندما نجد خريج جامعة دكتور ويصرح وينكر دوران الأرض حول نفسها، كيف أصبح هذا أستاذًا جامعيًا وهو يفتقد أبجديات المعرفة، وعندما يأتي حديث من شيخ رسمي ويكرر في كل لقاء أن الأرض ثابتة ولا تتحرك! هل هذا اسلام؟ والمضحك المبكي أن علماء المسلمين قبل ألف عام اكتشفوا أن الأرض كروية، بل وصل بالبعض أن يكفر من يرى ضرر شرب بول الإبل!

مُتمَشيخون

هؤلاء المشايخ الذين اتخذوا هذا المنهج يحتجون يأن الدولة قامت على هذا المنهج والعقيدة، وأي مساس بهما هدم للدولة؟

ليس عيبًا أن تقوم الدولة على نهج ديني. فبريطانيا وأميركا قامتا على أسس دينية، المشكلة أنهم أنزلوا من مكانة الدين إلى أن يكون أيديولوجيا فأصبحنا نرى شعارات وكتب “الإسلام والديموقراطية” و”الإسلام والشيوعية”… الإسلام أرفع من أن يوضع في هذه الكلمات والشعارات، ثم أن الدولة قامت على الإسلام وليست قائمة على فهم هؤلاء المشايخ للإسلام. نحن بحاجة إلى خطاب ديني جديد يربطنا بالعصر ولا يفصلنا عن هذا العصر، وللأسف الخطاب المتواجد حاليًا يفصلنا عن الماضي أيضًا وليس الحالي فقط. وعندما يأتي عمر بن الخطاب يخاطب الحجر الأسود ويقول والله أعلم أنك حجر أسود لا تنفع ولا تضر ولولا أن شاهدت الرسول يقبلك لما قبلتك. للأسف بـُلينا برجال دين يأتون بأقوال غريبة وأشياء ما أنزل الله بها من سلطان عندما ننتقدها يقولون إن هذه هي شرعية الدولة، التي قامت على الدين وليس على الخرافة. الدين له تفسيرات متعددة وليس فقط تفسير الإخوان المسلمين، ثم يتكلمون عن الوهابية ومنهج محمد بن عبدالوهاب. منهج محمد عبدالوهاب قبل 300 سنة فكر مؤسس للدولة ولكن الآن الأمور تغيّرت، هل نبقى أسرى لفهم محمد عبدالوهاب عندما كان في العيينة والدرعية. مثلًا، عندما بعثت إلى أميركا سألني أحد الأقرباء أين ستسافر؟ فقلت أميركا. قال : أين هي أميركا ؟ قلت انها بلد بعيد. قال: اه يعني بعد مكة ثلاث أربع مرات. المقصد أن الفكر تغيّر والعالم تغيّر لذا نحتاج إلى فهم ديني يوازي هذا الفكر، فمقولات محمد بن عبدالوهاب ليست مقدسة.

وبصراحة، هؤلاء المتمشيخون لو سحب البساط من تحت أقدامهم فماذا يملكون وماذا سيقدمون للمجتمع؟ لاشيء.

أذكر أيام الصحوة كانت هناك محاضرة لأحد الدعاة المشاهير كان يتحدث عن رحلته إلى أميركا، وكان يحذر من أن المطاعم في أميركا تضع لحم الخنزير في الأكل من دون أن يخبروك، وبأن الأميركيين حاولوا أكثر من مرة اجباره على شرب الخمر. بصراحة عشنا ودرسنا في أميركا ولم نرَ مما قال شيئًا، والنقطة المهم ما الذي جعل هذا الداعية يذهب إلى أميركا؟.

الإسلام دين عقلاني وعندما نأتي بأسماء إسلامية مشرفة مثل ابن رشد، ابن سينا، ابن خلدون نجد هذه الأسماء متهمة بالكفر والزندقة عند هؤلاء المشايخ. الإسلام دين وحضارة وتاريخ، نفتقد إلى الفقيه الحقيقي كأبي حنيفة النعمان يعلم من علوم الدنيا والدين، وللأسف بعض المشايخ عندما يُسأل عن علوم الدنيا لايكتفي بالسكوت وقول لا أعلم، بل ينكرها كليًا. أذكر أحدهم ألّف كتابًا ينفي كروية الأرض وصعود القمر، ويقول هؤلاء الكفار يكذبون عليكم، ولاتجعلونهم يخدعونكم.

وجزء منهم يكرر مقولة الإعجاز العلمي في القرآن، فالقرآن كتاب تشريع وأخلاق وقانون، ليس بحاجة لمثل هذه النظريات. مثل هؤلاء المشايخ لا يوثق بهم، ولا أنسى أيام انتخابات الرئاسة في مصر عندما قيل من لا ينتخب مرسي فهو كافر، وترديد عبارات مثل الإسلام هو الحل؟

والسؤال كيف وماذا؟ ولا تجد لا برامج اقتصادية ولا تعليمية ولا تنموية… بل يقول بعض المشايخ إن بناء الحمامات بدعة حيث لم تكن موجودة أيام الرسول، قد تجد مثل هذه الفتاوى مضحكة الآن لكنّ هناك مفكرًا مثل فرج فودة قتل بسبب مثل هذه الأفكار والفتاوى.

ألا ترى أن ظهور مثل هؤلاء المشايخ نتاج بيئة ثقافية ساهم بوجودها المثقفون عندما كان خطابهم مزدوجًا. فمعروف أن للمثقف خطابين، خطاب بينهم كمثقفين وخطاب موجه للجمهور بعكس رجال الدين أصحاب الخطاب الواضح البسيط الذي يستهدف رجل الشارع؟

الجميع يحتمل المسؤولية لكنّ المثقفين مهما بلغ فيهم السوء لم يصل بهم أنهم يغيبون مستوى الوعي تمامًا. نعترف أنهم قصروا، لكن يجب أن لا نناقش الظاهرة من ناحية ثقافية فقط، هناك كبت سياسي ومشاكل اقتصادية وبالتالي ساهم ذلك في انتشار الخرافة بين الناس. أنا زرت مصر عام 1973. كانت مصر التنويرية مليئة بالمفكرين والجهابذة لدرجة أنك تجد كتاب “لماذا أنا ملحد” من دون أي عقوبة لكاتبه يباع في المكتبات فكيف تحولت إلى هذا الإنغلاق؟ لا أحمل المثقفين كل المسؤولية قد يكونون مسؤولين حيث أنهم لم يستطيعوا ايصال خطابهم التنويري البسيط المتفاهم والمتجانس مع التراث الديني إلى المواطن البسيط، وعلى فكرة لم يكن هذا الخطاب الديني سينتشر لولا هزيمة 1967 التي ساهمت بلاشك في انتشاره، وللأسف المواطن العربي أصبح فأر تجارب ما بين شيوعية وقومية، ثم أتى دور الإسلاميين، ليس في مصر فقط بل في ايران وأفغانستان والسودان، حتى هنا في بلادنا. للأسف أتت فرصة ذهبية للبلد أن تكون جنة العالم حينما ارتفع سعر البترول والذي رافقته الصحوة الدينية، فضاعت الملايين ما بين حرب أفغانستان وحروب باردة وبناء معاهد اسلامية في أنحاء العالم، وأخشى ما أخشاه أن نندم بعد نزول سعر البترول، لكني متفائل على الأقل نعود دولة طبيعية. وكيف ذلك؟ كما عشنا في السابق… تجد أن صاحب الدكان سعودي، صاحب المطعم سعودي، العامل في محطة البنزين سعودي، يا أخي على أيامنا عندما أتى مدرس مصري في مدينتنا ذهبنا جميعًا نشاهده وكأنه مخلوق جديد، نعود دولة طبيعية أي لا يكون كل اعتماد المواطن على الدولة.

صحوة وطفرة

أذكر مقولة لك أنك ترى أن الصحوة والطفرة أثرتا سلبًا في المواطن السعودي، وأن الطفرة ساهمت في تدمير أخلاقيات العامل السعودي؟

نعم دمرت أخلاقيتنا بشكل كبير. فالمواطن قبل الطفرة لا يقف مكتوف الأيدي إن لم يجد عملًا حكوميًا، تجد المواطن يشتغل في أي مكان، المهم أنه يعمل ولا يجلس.

جيل الطفرة يعتمد كليًا على الدولة، والدولة ارتكبت خطأ بجعلها المواطن يعتمد عليها كليًا للسيطرة عليه ورقة سياسية فأرزاق الناس بيد الدولة تستطيع التحكم بها، والذي نشأ بعد الطفر يحتاج إلى إعادة تأهيل، لأنه نشأ فقط على الإستقبال وكلنا شاهدنا الضجة التي حدثت عند الارتفاع البسيط في سعر البنزين بعد نزول الميزانية. فالمواطن اعتاد فقط أن يكون مستقبلًا لا منتجًا، لم يعتد أن يكوّن ثروته بنفسه، أو تجده يبحث عن واسطة تدخله على أمير ليعرض معروضه. أخلاقيات العمل فقدت، لما نجد أن أكبر وأشهر رجال الأعمال في المملكة بدأ ثروته بأنه يفك الريال بـ 99 هللة لا تجد أحداً من الشباب يصدق ذلك، حتى عندما تقابل هذا الرجل تجده رجلًا بسيطًا جدًا بعكس حفيده الذي يتفاخر ويتبهرج بأمواله لأنه لم يتعب عليها باختصار، أو من يدفع مبلغ 300 ألف ريال على دهن عود ليجعل ضيوفه يغسلون أيديهم بعد تناول العشاء.

في الحالة الاقتصادية الحالية، كيف يمكن أن تؤثر في إعادة تشكيل ثقافة المجتمع؟

لا حل بين يوم وليلة، إذًا هناك حل واحد ألا وهو التعليم. يا أخي أخرج لنا أجيالاً متعلمة علماً حقيقياً فهذا يفيد المجتمع وسوق المجتمع.

كفى نفاقًا

ما دور المثقفين والتنويريين والإعلاميين في ثقافة المجتمع؟

ترك النفاق. على المثقف ترك النفاق أو السكوت، يعني عندما يأتي خبر في صحفنا أن القضاء الأميركي معجب بالقضاء السعودي، أو أن اليابانيين معجبون بالتجربة التعليمية السعودية، اكذب علي لكن لا تستغفل المواطن. على فكرة الحاكم يميز ويعرف المنافق من الناصح لكن عندما يكون الجميع منافقاً هنا المشكلة.

هل تتفق وما يقال عن موجة إلحاد في المجتمع؟

نعم هناك موجة إلحاد رهيبة. ليس الحادًا فلسفيًا بحثيًا بل الحاد انكاري ورفض وتمرد على الدين بسبب جرعة الدين الزائدة.

وهناك أيضًا موجة هجرة من الوطن. ما الذي يجعل الشاب السعودي يفكر بالهجرة؟

البحث عن متنفس وعن حرية، يا أخي الشباب طاقة متفجرة عندما يتم منعه من ممارسة العديد من الهوايات، فالحل لديه هو السفر إلى الخارج وتضييع أمواله. لماذا لا يتم توفير البديل له في بلده، ومطالبها ليست كثيرة فقط تحتاج من يسمعهم ويحقق مطالبهم.

ذكرت في أكثر من مرة في حواراتك أنك لاحظت كمية الشتم والسب والقذف في تويتر؟

الغريب أنه على كثرة الساعات الدينية التي يأخذها المواطن ما بين مدرسة ومسجد وتلفزيون لم تمنعه من ممارسة هذه الممارسات البذيئة. لكن أحيانًا قد يكون بسبب أن من درسه هذه المادة الدينية قد يكون بذيئًا. شاهدنا العديد من الممارسات البذيئة التي تمارس ضد الطلاب في الحصص الدينية من ضرب وتهجم وسب واستهزاء .

لطالما هاجمت المستبد في كل عصر، ومع ذلك تثني على تركيا العلمانية التي لم تأتِ ولم تتكوّن إلا عن طريق اتاتورك المستبد؟

في أحيان كثيرة، تحتاج إلى المستبد ليشكل لك أساسيات الدولة. لولا أتاتورك لضاعت تركيا نفسها وقسمت بين بلاد البلقان. في الحقيقة، أتاتورك لم ينه الخلافة، فالخلافة كانت منتهية أصلًا. حتى أن أوروبا تسمي الدولة العثمانية برجل أوروبا المريض. كمال أتاتورك كقائد تم مديحه من العرب بعدما طرده البريطانيون والفرنسيون من الأراضي التركية، والشاعر أحمد شوقي مدحه وكناه بخالد الترك تيمنًا بالصحابي خالد بن الوليد، وعندما قام أتاتورك بإعلان الجمهورية التركية تم شتمه واتهامه بأنه من أصول يهودية. لولا الأساسيات التي وضعها أتاتورك لما أتى أردوغان وحكم تركيا. العلمانية هي من أتى به.

إزالة القداسة

إذا اتفقنا معك بوجود تجار للدين ومستغلين للدين، كيف يمكن أن نخرج الجماهير من تحت سيطرتهم؟

أزل القداسة عنهم. للأسف من منحهم هذه القداسة هي الدولة، ومن أيام أفغانستان والشحن الديني على غير أساس موجود، يتكلمون من دون انتقاد عن تغلقل الاخوان في مؤسسات الدولة التعليمية. يعني أريد من المؤسسة الدينية في الدولة أن تنزع عنهم القداسة. أعطيك مثالًا: أحدهم عندما قام بفعلته في التلفزيون في قناة بداية (يقصد أن شيخًا سعوديًا ظهر على شاشة قناة محلية وهو يمازح أحد الشباب بعبارات جنسية)، من انتقده من المؤسسة الدينية الرسمية للدولة؟ المصيبة ليست في الخطأ، الجميع يخطئ، لكن المشكلة في من يبرر له ويتغاضى عن خطأه.

لماذا على العقلية السائدة يجب أن تكون وفق نسخة قياسية من أيام الصحابة؟ لماذا لا نكون نحن؟
باختصار… نعود إلى مشكلة التعليم. عقليتنا برمجت على “ما هو دليلك”. الدليل يجب أن يكون فعل سلف، ليس جميع ما فعل السلف صحيحًا، قد يكون صح في زمنه ووقته وليس في زماننا، يعني عندما نشاهد عمر أثناء خلافته وعهده ليس ببعيد عن الرسول نجده عطل حد السرقة بسبب الفقر، وأسقط سهم المؤلفة قلوبهم، إذا هناك ما يسمى بمصلحة الجماعة، ومصلحة الجماعة هي مرجع يجب الأخذ به.

بعد انتهائك من كتابة الثلاثية، ذكرت في إحدى المقابلات بأنه لم تتصوّر أن مجتمعنا لهذه الدرجة من السكون إلى درجة أن حجرًا بسيطًا حرك هذه المياه، ألا يزال مجتمعنا ساكنًا؟
قبل تويتر، كان مجتمعنا ساكنًا، ولا نعرف ما الذي يجري فيه، وبعد تويتر تبين الكثير وانكشف الكثير، أنا متفاءل بكمية الشتم والسب والبذاءة لأنه تخلصٌ من رواسب قديمة، فكل جرح كي يشفى يجب أن يخرج الصديد أولًا. نحتاج وقتًا للتغيير.

لماذا السعودي دومًا أداة في يد التنظيمات، حتى في أيام التنظيمات البعثية والعروبية؟
لا أجد تفسيرًا واضحًا لذلك، لكن قد يكون بسبب تربيتنا: أن نكون بين خيارين يا أسود يا أبيض، حتى في نقاشات تويتر تجد الآراء مع أو ضد، يقيمون الرأي بناء على من كتب. أذكر في كتابي السياسة بين الحلال والحرام أحد الأصدقاء نزع الغلاف وأهدى الكتاب لأحد مشايخ الدين، فطلب رأيه في الكتاب، فعندما قرأه وأثنى عليه أخبره الصديق أن الكتاب لتركي الحمد، قال الشيخ: إذا الكتاب يحتاج لقراءة مرة أخرى لأنه قد يكون يدس السم في العسل.

ماذا تغيّر؟

في بدايات الربيع العربي، ذكرت أنك متفائل جدًا، وأن الثورات أعادت الثقة إلى المواطن العربي. وأخيرًا ذكرت مقولة ابن خلدون: العرب لن تقوم لهم قائمة إلا بملك أو نبوة. ماذا تغيّر؟

بالفعل… في بدايات الربيع العربي كنت متفائلًا وتصورت أنها ثورة جديدة ضد الاستبداد، بداية صفحة جديدة، وبداية ثقافية جديدة تعيد النظر في مقولاتنا وتاريخنا وماضينا. لكن تبين لي العكس. فالربيع العربي أخرج لنا طائفية وعنصرية بغيضة وتذكرت مقولة رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد عندما هوجم بسبب استبداده ذكر أن العراق مثل البلاعة وأنا أدوس على غطائها، قارن العراق اليوم بين عراق صدام وبين العراق أيام الملكية. أيام الملكية كان العراق منتجًا. لم تكن هناك طائفية كانت هناك تعددية حزبية وديموقراطية، قارن بين مصر قبل الملكية وبعد، بعد ثورة 52 كان الجنيه المصري يساوي جنيهاً ذهبياً وتعريفة. كان الطبيب المصري يذهب إلى أوروبا ويعين من دون النظر إلى شهادته، فيكفي أنه درس في مصر. أنظر إلى ليبيا قبل الثورة وقارنها الآن بما يحدث. يقول قائل إن البترول نفع دول الخليج، لكن عندك مثال آخر هو الأردن، الدولة التي وصفها الماركسيون بواد ٍ غير ذي زرع، ومع ذلك تجده بلداً احتوى اللاجئين السوريين والعراقيين. باختصار… ملكية دستورية مقننة كبريطانيا مثلًا، لا نرفع سقف الطموح عاليًا بل ملكية دستورية كالمغرب خير عندي من ألف جمهورية. سابقًا، كنت أقول إن الديمقراطية تصلح نفسها بنفسها لكني تراجعت عن هذا القول. الديمقراطية مثل كأس الزجاج تعكس لك فيها. طبقت الديموقراطية في العراق فأخرجت لنا الطائفية، وعندما تطبق في السعودية أنا متأكد أنها ستخرج لنا عنصرية وطائفية ومناطقية وقبلية، لذا لا أطالب بديموقراطية ولا انتخابات، أطالب بتعليم جيد يعلمك الحقوق والحريات وكيف تفكر بعقل، أي بناء له أساسات هي المواطنة والقانون والتعليم الجيد. وفر لي القانون الذي يعاقب من يقوم بالتكفير، أيا كان، إذا كان رأيك أن الشيعي أو أي طائفة كافرة فهذا رأيك بشرط عدم التكفير علنًا، لأن هذا شق للصف الوطني.

ما رأيك في الأطروحات التي تقول إن كل ما يحدث الآن ناتح من عدم قدرة الإسلام كمنهج دولة على مواجهة الحضارة الإنسانية المعاصرة؟

قد أوافق هذا الكلام إذا التزمنا التفسير السلفي للنص. فهذا التفسير فعلًا لا يتواكب مع معطيات هذا العصر كليًا، لكن النص يمكن أن يفسر أكثر من تفسير. نحتاج إلى خطاب ديني يوفق بين المسلم والحضارة المعاصرة. أزمتنا ليست أزمة دين ولا أزمة نص، أزمتنا أزمة مسلم وتفسير، تجد المسلم يعيش في باريس ونيويورك وتجده يمارس حياته الدينية بكل يسر وسهول لكن تجده غير متوائم مع نفسه.

من يملك التفسير الصحيح لهذا الدين؟

حاليًا أقرأ كتاب “قراءة انسانية للدين”… فكرة الكتاب أنه ترك المذاهب والقراءات والتفسيرات الدينية تتنافس في ما بينها، والأكثر قدرة على تجانس ومجاراة هذا العصر هو التفسير الذي سينتج في النهاية. لدى المسلم السعودي أزمة نفسية، تجده يعيش الحياة الحديثة وفي نفس الوقت يعاني تأنيب الضمير. أذكر عندما كنت طالبًا في أميركا في بدايات الصحوة، كان هناك شباب عندهم صديقات ومع بدايات الصحوة اعتزلوا البنات، لكنهم لم يستطيعوا ذلك، فلكي يتخلصوا من عقدة الذنب يأتي بصديقته ويطلب منها أن تقول باللغة العربية “زوجتك نفسي” أو “منحتك نفسي”. لماذا لا نركز على مفهوم الحب والغفران في حياتنا وعباداتنا بدلًا من أن يسيطر علينا الخوف من الله. يا رجل أصبحنا الآن في المساجد نصاب بالرعب، معظم الخطب ترويع وتهديد ووعيد من عذاب الله، بل وصل ببعض مدرسي التربية الإسلامية إلى وصف القبور بل وأخذ الطلاب لزيارة المقابر، هذه الممارسات تشوه نفسية الطفل. كلنا نخطئ لكن الله غفور رحيم، جميع سور القرآن تبدأ بـ بسم الله الرحمن الرحيم.

أي حل؟

هل نحن بحاجة إلى حل لوثري وثورة فكرية من داخل المؤسسة؟

نحتاج إلى ثورة ثقافية دينية. المسيحية وصلت إلى اعطاء صكوك الغفران لمعتنقيها، نحن في الإسلام لسنا ببعيدين عن ذلك. تجد هناك العديد من يعدك بدخول الجنة ومن يدخلك النار. من أنت؟ ومن سمح لك كي تدخل فلانًا الجنة وتخرجه منها؟ فأمر الجنة والنار بيد الله فقط. المسيحية عندما جاءت اللوثرية، وعندما أتت الأخلاق البروتستانتية أخرجت لنا الرأسمالية، والرأسمالية المعاصرة والحضارة المعاصرة خرجت من ألمانيا وبريطانيا البلاد اللوثرية على عكس أسبانيا وايطاليا اللتين ظلتا متخلفتين لقرون. هذه الثورة الدينية تحتاج إلى دعم رسمي من الدولة، مارتن لوثر لم يكن لينجح لولا الدعم الرسمي.

قبل عشر سنوات، كنت متشائمًا من المستقبل، أما زلت؟

ليست قصة متشائم أو متفائل، لكن هناك بعض الأمور الواضحة وتطبيقها سهل، ومع ذلك تجد الثرثرة وتكرار النقاش فيها، وهناك بعض الأمور إن لم تأت في وقتها فلا فائدة منها، يعني كتبت مقالًا في عام 1996 عن تجديد الخطاب الديني وجمعت العديد من المقالات التي تتحدث عن هذه الأمور في كتاب وأهديته لمسؤولين كبار في الدولة. هنا لا أقصد الحديث عن نفسي بل العديد من هم أفضل من تركي الحمد قام بمثل هذه المطالبات. لنفرض أن تركي الحمد علماني ومبالغ، لكن بعد حوادث 11 أيلول (سبتمبر) وحوادث 2003 والإرهاب عندنا وحركة القاعدة وداعش، كل ذلك يدعونا إلى مراجعة وتجديد الخطاب الديني. للأسف نجد الآن من يخاطب الإرهابيين والمجرمين ويسميهم الفئة الضالة. هؤلاء مجرمون وقتلة، يجب أن نسمي الأمور بمسمياتها.

لك تغريدة شهيرة: “الفساد أصبح جزءًا من نسيج المجتمع السعودي”.

للأسف، فالفساد عند البعض ليس فسادًا، بل شيء طبيعي أن يأتي وزير أو مسؤول فيصرف جزءًا من ميزانيته على رفاهيته. أصبح الموظف لا يشعر بالحرج من أخذ الرشوة. الفساد أصبح جزءًا من الثقافة، وهذا أخطر ما في الموضوع لأن لو نظر لهذا الفساد كجريمة لاكتفينا بالقانون والعقوبة.

هل هناك كتاب جديد لتركي الحمد؟

حاليًا أكتب في المصطلحات الدينية والإصلاح الديني.
– See more at: http://elaph.com/Web/News/2016/1/1064951.html#sthash.2nUqtMZQ.dpuf

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.