القوة الناعمة الإيرانية /مصطفى علوش

«لا تغرنك اللحى ولا الصور تسعة أعشار من ترى بقر تراهم كالسحاب منتشر وليس فيها لطالب مطر« (المتنبي)

القوة الناعمة هي مفهوم وضعه وشرحه «جوزف ناي»، وهو أكاديمي وسياسي أميركي، حول قدرة بعض الدول على الجذب والضم إلى صفها من دون إكراه أو استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية أو المالية. يقول جوزف ناي في كتابه الصادر سنة ، بأن مصدر القوة الناعمة قد يكون روحياً أو معنوياً من خلال أفكار ومبادئ أخلاقية ومن خلال دعم سياسات حقوق الإنسان والثقافة والفنون والعلوم مما يدفع الآخرين إلى احترام مصادرها والاقتداء بها. ويؤكد ناي أن النفاق لدى الدول في هذا المجال تكون له نتائج عكسية إذا لم تقترن المبادئ بالأفعال.

E4

تحتل الولايات المتحدة الأميركية رأس القائمة في مجال القوة الناعمة بحيث إنها تشكّل أكثر البلدان جاذبية للهجرة، وتعتبر جامعاتها قبلة أنظار الطلاب، وتحتل أيضاً المرتبة الأولى في جوائز نوبل، وتعتبر المصدر الأول للفنون الموسيقية والسينمائية. وتعتبر أيضاً طريقة العيش والحرية والآمال المفتوحة من أهم عوامل جذب الشباب للولايات المتحدة الأميركية.

بالأرقام، فإن جامعات أميركا تستقبل مليوني طالب وتسعين ألف باحث أكاديمي من غير مواطني الولايات المتحدة، كما أن ستاً وستين بالمئة من الأفلام والبرامج التلفزيونية المتداولة في العالم هي من إنتاج أميركي، وهذا كله غيض من فيض.

لم تكن هذه المقدمة المختصرة مدخلاً لمديح الولايات المتحدة الأميركية، لأن الواقع أن تجربتنا مع قوة أميركا الناعمة في قضايا الشرق الأوسط، وضعت كل صفات هذا البلد المتعلقة بحقوق الإنسان والشرعية والقوانين الدولية في موقع يمكن وصفه بأنه «نفاق» خالص. لكن الهدف كان شرحاً مختصراً لما تعنيه كلمة «القوة الناعمة»، خاصة بعد أن أصبحت معظم الدول الطامحة للريادة تقوم بجردة حساباتها في هذا النوع من القوة، ومن ضمن هذه الدول تأتي إيران.

في ما يلي شرح مختصر لواقع قوة إيران الناعمة في محيطها العربي حصراً، وهي تستند إلى عدد من الدراسات الحيادية.

ارتكزت قوة إيران في العالم العربي على ثلاث قواعد:

– التشيّع ومقوماته التاريخية وارتكازه إلى واقع متجذر في الذاكرة الشعبية للشيعة في العالم العربي. كما أن تجدد هذا التشيّع مع أفكار الإمام الخميني، وارتباطه بمبدأ الثورة على الظلم والاستكبار واسترداد الحق، مضافاً إليها أممية الدعوة لتشمل كل المسلمين لضمهم تحت راية الولي الفقيه، عناصر أدّت إلى إلهام الملايين من غير الشيعة، وحتى بعض اليساريين التائهين بين الإيمان وعدمه، وجدوا في روحية المظلومية الشيعية المتجددة نوعاً من التزاوج بين الإسلام والثورة.

– خطاب المعاداة لأميركا والغرب استطاع أيضاً أن يكسب قطاعات واسعة من الرأي العام العربي المكتوي بنيران الظلم والاستكبار الغربي والأميركي، وهو الخارج حديثاً من تحت سلطات وصاية أو انتداب أو احتلال غربي وفي ذاكرته خديعة سايكس بيكو وأساطير الحروب الصليبية.

– قضية فلسطين التي استهل الإمام الخميني الولوج إليها بمنح سفارة إسرائيل في طهران لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد عودته إلى إيران. إضافة إلى إعلان يوم القدس والدعم الخطابي الدائم لقضية فلسطين. لكن العنصر الأهم كان في وجود «حزب الله« على حدود فلسطين والبطولات التي أدخلته في عالم الأساطير ووصلت إلى ذروتها سنة .

أما عن عناصر القوّة الناعمة الأخرى من علم وطريقة عيش ومنظومة سياسية واقتصاد وغيرها، فقد بقيت قاصرة عن دعم إيران لتصبح عضواً في لائحة الدول الثلاثين الأولى في تصنيف القوة الناعمة، مع العلم أن تركيا مثلاً ظهرت في المركز الثالث والعشرين على هذه اللائحة.

فقد فشلت إيران في تقديم نموذج اقتصادي يحتذى به، وبقيت عناصر الفساد والمحسوبيات التي تتمحور حول المرشد الأعلى والحرس الثوري سيدة الموقف، وبقي الاقتصاد يرتكز على الريعية. وفشلت إيران أيضاً في تظهير نموذج سياسي مقنع، على الرغم من التعاطف الذي حصده الخميني سنة على المستوى العالمي. فقد طفت سريعاً إلى السطح مسائل تجاوز حقوق الإنسان والديكتاتورية الثيوقراطية على الرغم من مظاهر ديموقراطية شكلية واقعة تحت رقابة مؤسسات المرشد الأعلى.

أما عنصر التشيّع، فمع أنه ظهر كمصدر قوة هائلة وفعالة في البداية، لكنه في الوقت ذاته أدى إلى حصر التأثير الإيراني ليشمل بشكل شبه حصري معظم أتباع المذهب الاثني عشري، خاصة بعد اندلاع الثورة في سوريا وبعد انكشاف السياسات المذهبية لقادة العراق التابعين لإيران.

وفي مسائل السياحة والتاريخ الحضاري، فمع أن أكثر من ثلاثة ملايين سائح يزورون إيران سنوياً، فإن هذه السياحة محصورة بزيارة المقامات الدينية الشيعية ولا يتعدى السائحون العاديون نسبة الواحد بالمئة من العدد الإجمالي.

بالمحصلة، وعلى الرغم من الأموال الطائلة التي صرفتها إيران في سبيل تحسين الدعاية لقوتها الناعمة، وذلك من ضمن خطة متكاملة في السياسة والإعلام والدعوة الدينية، فإن إيران التي وصلت إلى ذروة شهرتها في العالم العربي سنة ، تدهورت سلباً منذ انطلاق الثورة في سوريا وبروز دور ميليشياتها في العراق وسوريا ولبنان كعناصر ساهمت في المزيد من الدمار والموت في تلك المواقع.

أما لناحية العلم والجامعات، فعلى الرغم من المنح الدراسية الكثيرة التي تأتي للدراسة من إيران، يفضل معظم الشباب الشيعة الذهاب للدراسة في الغرب، وفي أميركا بالذات لأسباب منطقية. يعني أن إيران لم تقنع حتى الآن حتى أتباعها بأرجحية قوتها الناعمة!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.