الحوار المتمدن – عادل محمد – مذكرات بحريني عجمي – الجزء الأول

أحبائي وأخواني الأعزاء، بعد الأحداث المؤسفة التي شهدتها البحرين منذ الحركة الإحتجاجية في 14 فبراير 2011، والتي تحولت فيما بعد إلى مشاحنات طائفية وإتهامات متابدلة بين الشيعة والسنة وهجوم شرس والإتهام بالخيانة والشتائم ضد العجم وذلك لسبب إشتراك بعض منهم في هذه الأحداث، فكرت في كتابة مذكراتي تحت عنوان “مذكرات بحريني عجمي” من أجل التخفيف من المشاحنات الطائفية ونبذ التفرقة العنصرية والمذهبية بين الشعب البحريني.
(( لقد عشت أحلى سنين عمري في منطقة المحرق التي كانت وستبقى رمز الإنسجام والتعايش والمحبة بين العرب والعجم والشيعة والسنة في البحرين، كما أفتخر بأنني أنحدر من عائلة بحرينية نموذجية تتشكل من العجم والعرب والسنة والشيعة، ويوجد في عائلتنا الضابط والشرطي والمحامي وشيخ الدين السني)).

أهدي هذه المذكرات إلى الأهل والأصدقاء الأحباء وجميع أهل البحرين الطيبين.

ولدت في بداية الأربعينيات من القرن الماضي في فريج المخارقة بالمنامة قرب مسجد الجامع وشارع المهزع وكنا نسكن في بيت تسكنه عدّة عائلات. عاصرت أيّام الحرب العالمية الثانية عندما كانت المواد الغذائية في البحرين شحيحة وتوزع على المواطنين بواسطة البطاقة التموينية، كانت حينها والدتي رحمها الله التي تطبخ الرز مع الطماطم لجميع من كانوا يسكنون في البيت، كانوا يلقبونها بالطماطة.

في عام النكبة وسطو الصهاينة على فلسطين في 1948، وبينما أنا واقف بقرب الباب الشمالي لمسجد الجامع شاهدت الناس يهجمون على بيوت اليهود الواقعة بالقرب من المسجد، ويحطمون الأبواب والنوافذ وينهبون ممتلكاتهم انتقاماً لاحتلال فلسطين، ومن ثم قاموا بإخفاء الأشياء المسروقة في أماكن سرية من بيوتهم خوفاً من الشرطة.

في هذا السياق حكى لي أحد المتقاعدين من “بابكو” والذي يكبرني بنحو خمس سنوات، بأن في هذا اليوم كان يقود مظاهرات لتلاميذ مدرسة العجم بأوامر مدير المدرسة، تضامناً مع الشعب الفلسطيني وضد إحتلال الأراضي الفلسطينية، لكن عندما وصلوا قرب مسجد الجامع وشاهد الفوضى ونهب بيوت اليهود عارض هذا الشيء وابتعد عن الفوضى والمظاهرات. يقول هذا الشخص بأن في اليوم التالي عندما قام مدير المدرسة بتوبيخه وسأله عن سبب تركه المظاهرات، ردّ على المدير قائلاً بأنه ضد تحطيم ونهب بيوت اليهود.

وفي مواسم فصل الصيف من نهاية الأربعينيات كنا نزور مدينة المحرق ونمكث لعدة أيام في بيت الأهل في فريج الظاعن، وكنا نخرج للرحلات البحرية (كشتات) بواسطة القوارب والعبّارات التي كانت تنقلنا من الساحل الشرقي لفريج الظاعن (خباز 24 ساعة حالياً) إلى قرية عراد.

في عام 1964 انتقلنا إلى فريج أبو صرّة وسكنّا في منزلنا الذي اشتراه الوالد بالشراكة مع عمّي في بداية الخمسينيات من القرن الماضي.

بعد ما ختمت القرآن الكريم، اقترح مراسل مدرسة العجم على أبي بأن يسجلني للدراسة في مدرسة العجم الإبتدائية. عندما أخذني والدي إلى المدرسة في عام 1952، وتم إختباري في الحساب وقراءة القرآن، أُلتحقت بالصف الثالث ومنها واصلت الدراسة حتى حصلت على الشهادة الإبتدائية في 1956. في هذه السنة حصلت على وظيفة فرّاش (مراسل) في مكتبة المؤيّد بالمنامة بواسطة أحد أقربائي الذي كان موظف في المكتبة. كان هدفي من العمل هو مساعدة عائلتي مادياً حيث كنا نعاني من ظروف مادية صعبة. بعد 10 أشهر فصلت عن العمل على خلفية مشاجرة جرت بيني وبين مسؤول المبيعات في المكتبة.

من خلال عملي في مكتبة المؤيد تعرفت على شخص إيراني أرمني الأصل يدعى “آرميك منصوريان” وكان مسؤول المخازن. عرفته إنساناً متواضعاً هادئ الطبع وذا أخلاقية عالية. كان يساعدني في تعلم اللغة الإنجليزية، ويتحدث معي في السياسة وعن ثورة مصدّق وتأميم النفط في إيران. كنت استمع إلى أحاديثة بشوق وشغف وأزور محل إقامته مع إبن عمتي، وأراه يخدم ضيوفه ويناقشون في السياسة ويتحدثون عن الأوضاع في العالم وعن الأحداث في البحرين. كانت هوايته الرسم وتربية الحمام الأبيض كونه رمز السلام. وعند حدوث العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 وقيام الشعب البحريني بالمظاهرات التضامنية مع الشعب المصري، كانت رسومات والشعارات السياسية الذي رسمها آرميك منصوريان، ترفع بواسطة المتظاهرين. لذا تم إعتقاله مع من كانوا يسكنون معه ونفيهم إلى إيران.

المنطقة التي كنا نسكن فيها كانت تتشكل من أكثرية عجمية شيعية والجميع كانوا يتحدثون باللغة الفارسية وكنا نجد صعوبة عند التحدث بالعربية. لذا اقترحت على والدي بأن أكمّل دراستي الإبتدائية في اللغة العربية، وفي عام 1957 التحقت بالمدرسة الغربية قرب قلعة الشرطة. في عام 1959 تركت الدراسة على أثر مشاجرة دارت مع أحد المعلمين، وفي 15 ديسمبر من نفس السنة حصلت على وظيفة في شركة نفط البحرين (بابكو)، وبدأت العمل براتب شهري بمقدار 300 روبّية في دائرة (IBM)، وكان البعض يحسدني على هذا الراتب وينشر الإشاعات ضدي؟!. يقولون بأن في بداية الخمسينيات عندما طلب أحد العمال زيادة راتبه من مسؤوله الإنجليزي، هدده المسؤول بفصله عن العمل بدل زيادة راتبه. فإذا بأحد الفضوليين يؤلف بيتاً من الشعر العامي يعبر فيه عن الحدث وقال: حمدو كتب چتّي للصّاحب، أمّا تزيدوني أو إتفنشوني … گال له الصاحب يا نظر عيني، الزياده مرفوضة والسكّه مفتوحه.

كان الموظفون في (IBM) خليطاً من الطوائف البحرينية عرب وعجم وشيعة وسنة بالإضافة إلى الجاليات المقيمة كالهنود والاوروبيين والأميركان المسيحيين. كانت العلاقات بين الموظفين أخوية وطيبة مع وجود بعض الخلافات والمناوشات أحياناً ولكن لا أحد كان يسأل عن ديانة أو مذهب الموظفين، لأن التفرقة الطائفية والمذهبية لا وجود لها آنذاك، في حين كنا نحرص على العلاقات الطيبة بيننا ونقوم بترتيب الجلسات الإجتماعية والرحلات إلى البساتين وكانت لنا رحلة تاريخية إلى جزيرة أم جليد. وفي أيام الأعياد والمناسبات نحضر الحفلات، مثل حفلة الكريسمس ورأس السنة الميلادية ونحتسي الشراب مع الأوروبيون والهنود.

ممارسة الرياضة ولعبة الشطرنج:-
في نهاية الخمسينيات بدأت لعبة كرة القدم في أشبال فريق النيل في منطقة السلمانية وثم أسسنا مع الأصدقاء فريق الجمهوري في المخارقة، ومارست لعبة الشطرنج بداية الستينيات في نادي الفردوسي وثم انتقلت إلى نادي اللؤلؤ وساعدت بعض المعارف والأصدقاء في تعليم الشطرنج في فريج أبو صرّة، وفي النهاية أصبحت عضواً في نادي الإتفاق في المنامة قسم التمثيل مع رفيقي الوفي المرحوم خسرو مدارا.

في بداية الستينيات بدأت قراءة المجلات والكتب الفارسية التي كنت أشتريها من مكتبة المرحوم عبد الرسول أصبعي في المنامة. بجانب الأدب الفارسي كنت أقرأ الكتب المترجمة من الأدب الروسي إلى الفارسية وكنت من المولعين بقراءة أعمال الكاتب الروسي الكبير مكسيم غوركي وقصص الكتاب الأميركان جاك لندن وجون اشتين بك وهامينغواي والكاتب الفرنسي فكتور هوغو بالإضافة إلى قراءة الأعمال الأدبية لمشاهير الأدب العربي كجورج حنا وحنا مينه ونجيب محفوظ وأشعار محمد مهدي الجواهري وعبد الرحمن الخميسي.

في عام 1961 أحد أصحابي الذي كان يبحث معي في المواضيع الأدبية والسياسية، نصحني وطلب مني الإنضمام إلى جبهة التحرير الوطني البحرانية (ذات الإتجاه اليساري). لقد رحّبت لطلبه وصرت عضواً في الجبهة لأنني كنت على معرفة تامة بالأعضاء والمؤسسين، وأهداف وبرامج الجبهة التي كانت تتلخص في الكفاح ضد الإستعمار البريطاني حتي تتحرر البحرين، حرية الأحزاب والجمعيات السياسية، وتأسيس نقابات عمالية والبرلمان وحكومة ديمقراطية. علماً بأن جبهة التحرير تأسست في عام 1955 بواسطة بعض البحرينيين الوطنيين والإيرانيين من حزب “توده” الذين فروا من ايران ولجأوا إلى البحرين من مطاردة قوات الأمن “السافاك”.

بدأت بقراءة الكتب الأدبية والسياسية العربية والفارسية في سنة 1960 عندما كنت أعمل في بابكو، وبجانب القراءة كنت أهوي التصوير وسماع الموسيقى الكلاسيكية والأغاني الإيرانية، وأغاني المطربة الكبيرة فيروز والأغاني الشعبية البحرينية والخليجية، في حين أن والدي المرحوم الذي كان رجلاً مؤمناً وزار بيت الله في بداية الخمسينيات، كان يحب مشاهدة مباريات كرة القدم والمصارعة الحرة ويتطرّب عند الإستماع للأغاني الشعبية.

بجانب عملي في الشركة حصلت على منحة من إدارة القسم للدراسة في مدرسة الشركة القسم التجاري من أجل إبتعاثي إلى انكلترا مستقبلاً بهدف الإرتقاء إلى المناصب العليا في العمل. كانت الدراسة باللغة الإنكليزية وكنت أدرس الإقتصاد. واصلت الدراسة حتى مرحلة ماقبل الإبتعاث إلى بريطانيا، ولكن في مارس 1965 تم فصلي عن العمل بسبب اشتراكي في الإضرابات العمالية ومشاجرتي مع المدير التنفيذي لبابكو (جوزيفسون). بعد فصلى عن العمل وخوفي من الاعتقال سافرت إلى دولة قطر وسكنت في بيت أقربائي. مكثت في قطر نحو عشرة أشهر وثم عدت إلى البحرين بعدما هدأت الأوضاع، وبدأت العمل في إحدى الشركات الخاصة، ثم انتقلت للعمل إلى البنك البريطاني حتى إبريل 1967 ، وكان الاستقرار الوظيفي في النهاية حين توظفت في شركة (BP) فرع مطار البحرين في 1 مايو 1967.

عشت أحلى سنين عمري في منطقة المحرق:-
عملي في مطار البحرين كان نقطة التحوّل في حياتي حيث ابتعدت عن العمل السياسي تدريجياً، وفي عام 1972 انتقلت إلى منطقة المحرق وسكنت في مدينة الحد فريج البوفلاسة وتعرفت
على أصدقاء جدد وتوطدت علاقات الأخوة الحميمة بين عائلتي وعائلات معروفة مثل البوفلاسة والنجدي وبوغفر والحوطي وعائلة المرحوم علي عباس. وبعد ثلاث سنوات انتقلت إلى مدينة المحرق وسكنت في شقق الإسكان قرب السوق المركزي.

كما تعرفت على زملاء جدد في العمل وكان معظمهم من منطقة المحرق بالإضافة إلى مناطق أخرى من البحرين. من حسن حظي أنني بدأت العمل والدراسة مباشرة مع بعض الزملاء البحرينيين ومواطنين من سلطنة عمان، في مشروع تأهيلي للشركة من أجل أن نصبح مشرفي تزويد وقود الطائرات في المستقبل.

بعد التعرف على زملاء في العمل وتكوين صداقات مع بعض الذين كانوا يشاركونا نفس الأفكار والإتجاهات الفكرية، أصبحت لنا جلسات الترف والطرب وتلقائياً صرنا شلّة من الشباب مع أحد المطربين المعروفين الذي كان يجيد الغناء والعزف على العود وتقليد الأصوات وبالذات صوت الشيخ علي الطنطاوي الذي كان يقدم برامج دينية في تلفزيون السعودية، في حين جلسات الطرب كانت تقام على الأسياف قرب المطار وقرية عراد قبل بناء الوحدات السكنية، وأحياناً كنا نقضي ليالي السمر في بيوت ودور الطرب في فريج المرّي بالمحرق.

كما كنا نقضي معظم ليالينا الجميلة مع الموظفين البحرينيين وبعض الضيوف والأوروبيين والآسيويين، في ” نادي بي پي ” ونستمتع بالألعاب المسلية كالشطرنج والكيرم والدارت، وكانت تقام حفلات الطرب في الأعياد والمناسبات وحفلات أعياد ميلاد أبناء الموظفين وعائلاتهم. وإحدى الحفلات الجميلة التي بقت في ذاكرتنا كانت مناسبة عيد الفطر المبارك الذي حياها المطرب الشعبي المعروف “يوسف فوني” مع فرقته الغنائية.

وكنا في الستينيات نشتري المكسرات من دكان “كل أصغر” في فريج المخارقة للمزّه مع الشراب، وكباب النخي من دكان زكيره (زكريا) وكباب اللحم من مطعم أمين قرب باب البحرين والتكة من حوطة أبل، لكن في السبعينيات والثمانينيات كنا نشتري المكسرات في المحرق من دكان بوعابد، ودكان الديچ في الحد أما كباب النخي من دكان محمود الخباز في فريج البوخميس والعشاء من تكّة أبو شنبو في نفس المنطقة.

عقد قراني برفيقة الدرب، زوجتي وأم أولادي :-
في اليوم الأول من جمادي الأول 1389 ( يوليو 1970 ) عقدت قراني على فتاة من عائلة متواضعة ومحترمة وكانت عائلتها على علاقة وطيدة بعائلتي منذ الأربعينيات، وكانت لي صداقة حميمة مع شقيقها الأكبر الذي كان زميلي في الدراسة في نهاية الخمسينيات، وثم أصبحنا رفاق درب النضال الوطني في أواسط الستينيات حتى فارق الحياة في 22 مايو 2009.

اكتشاف النفط في البحرين عام 1932م
المرحوم عمّي (والد زوجتي) بدأ العمل عند بلوغه سن الرشد كعامل بناء، وثم توظف في بابكو عام 1932 عند اكتشاف النفط في البحرين وشاهد فوران أول بئر نفط. كان يعمل في مهنة سائق للعربات الكبيرة (التيلرات وسالم خطر) في دائرة المواصلات. كانت تربطه صداقة قوية بزميله في العمل وهو من منطقة المحرق (فريج الحالة) وكان يلقب ﺒ (ستراوي) نظراً لصداقته بأهل جزيرة سترة. المرحوم “ستراوي” الذي كان يعمل سائق في عربات وقود الطائرات وينقل الوقود من خزانات بابكو في منطقة سترة إلى خزانات الوقود في شركة بافكو بعراد، كان يحكي لي عن الصداقة الوطيدة بينه وبين عمّي وتحدث مرّة عن موقف طريف والمقلب الذي قام به في عمّي. في أحد الأيام عندما قاموا بإفتراش سفرة الطعام على الأرض في موقع العمل، أحضر “ستراوي” خيشة وبداخلها قطّة ووضعها بقرب السفرة. عندما سأله عمّي عما داخل الخيشة قال له “هندوانه” (البطيخ الأحمر). بعد وجبة الطعام جهز عمّي السكينة التي كانت مصنوعة من منشار حديد مسنن، قال لستراوي أين البطيخ؟ فتح ستراوي رباط الخيشة، وإلاّ بالقطة تقفز إلى خارج الخيشة وتهرب. فزع عمّي وقال خوّفتني يا ستراوي.

بعد نحو ثلاثون سنة من العمل في بابكو تقاعد عمّي في 8 أغسطس 1966. وبعد مدة حصل على وظيفة سائق العربات الثقيلة في مقاولات حسن منصوري، ومن ثم انتقل إلى مقاولات علي بوجيري الذي كان يشارك العمل في بناء شركة ألمونيوم البحرين (ألبا) في نهاية الستينيات، وأثناء العمل الشاق وهدم التلال وتعبّد الأرض إنقلب مع البلدوزر الذي كان يعمل عليه ومن حسن حظه لم يصب بأذى سوى جروح بسيطة. وانتقل إلى رحمة الله في 6 مايو 2007 بعدما ناهز عمره حوالي 105 عاماً، حسب شهادات أقربائه المسنين.

في حين صهري الأكبر والمعروف لدى أهل المنطقة ﺒ “علي بابا” كان يعمل في كافيتيريا (بابكو) عام 1944 وثم عمل في مخبز تقليدي لصنع الكماچ والبخصم الذي كان يقع في بداية شارع الشيخ عبد الله في المنامة، فريج أبو صرّة، وفي أواسط الخمسينيات من القرن الماضي إستطاع امتلاك المخبز، حتى بداية الستينيات الذي اضطر إلى بيع المخبز بعد إنخفاض المبيعات بسبب ظهور المخابز الحديثة. ثم عمل في مهنة الصرافة التقليدية للعملات الإيرانية والخليجية، حتى توفى في أبريل 1993.

يقال أن للسفر سبع فوائد:-
في أغسطس 1964 سافرت إلى إيران مع بعض الأصدقاء من أجل السياحة والتعرّف على تاريخ وحضارة الشعب الإيراني عن قرب وزيارة المدن والمعالم التاريخية والمناطق الطبيعية والإطلاع على الثقافات الفارسية الغنية. عند عودتي إلى البحرين كنت أحمل معي مئات الصور من المدن والآثار التاريخية الإيرانية وعشرات الكتب التاريخية والأدبية الإيرانية وبعض الكتب المترجمة إلى اللغة الفارسية.

من فوائد زيارتي إلى إيران بجانب الإستمتاع من مشاهدة المناطق التاريخية والسياحية، والتي كانت ذات أهمية كبيرة، هي أنني تعرفت على أحاديث وخطابات رجل دين كان يدعى “روح الله خميني” وكان يتحدّى الشاه ومؤسساته الأمنية والبوليسية “السافاك”، وكان يحرّض الناس على العصيان ضد النظام الملكي في إيران. حسب “موسوعة ويكيبيديا الحرة” (النسخة الفارسية) أن كثير من أعوان الخميني كانوا في السابق أعضاء في منظمة فدائيي الإسلام الإيرانية التي تأسست قبل نحو سبعين سنة، وكان قائدها آنذاك “مجتبى نواب صفوي”. هذه المنظمة التي كانت أولى المنظمات الإرهابية ، قامت بإغتيال كثير من السياسيين والكتاب الإيرانيين العلمانيين.

حكايتي مع الثورة الإيرانية:-
هنا لابد أن أشرح للقراء الأعزاء حكايتي مع الثورة الإيرانية التي تحولت فيما بعد إلى الفتنة الخمينية وكانت الشرارة الأولى للفتنة الطائفية والمذهبية في المنطقة. لقد كنت من البحرينيين القلائل الذين تابعوا الأحداث الإيرانية من بداية ظهور الخميني وإلقاء خطاباته الرنانة والنارية ضد نظام الشاه البائد حتى عودته من منفى في 1979 وجلوسه على عرش السلطة. لأني كنت ذو ميول يسارية وضد النظام السابق، أيدت الخميني وثورته حتى نحو سنة بعد الثورة.
ثم اكتشفت فيما بعد بأن الخميني ماهو إلاّ دجّال وأن إدعاءاته ووعوده بالديمقراطية وحرية الأحزاب وعدم إجبار النساء على لبس الحجاب، كانت خطابات ووعود كاذبة وهدفها السيطرة على الحكم في ايران، وكانت مبنية على الغدر والخيانة والقتل ونهب ثروات الشعب الإيراني وتقسيمه على الملالي اللصوص والقتلة وأعوانهم في الجيش وقوات الأمن وثم مساعدة المنظمات الإرهابية وخلق الأزمات في المنطقة من أجل تأسيس دويلات إسلامية شيعية تابعة لنظام ولاية الفقيه الديكتاتوري والإستبدادي.

مقارنة الأوضاع المعيشية والسياسية بين مملكة البحرين ونظام ولاية الفقيه في ايران:-
أتمنى من بعض الذين كانوا يحلمون بأن تصبح البحرين جمهورية إسلامية وتسببوا في خلق القلاقل والتخريب والأحداث الدامية وكادت البحرين أن تنجرف نحو كارثة، أن يراجعوا أنفسهم وضميرهم والابتعاد عن الأوهام والأحلام الوردية وأن يفكروا في مستقبل وطنهم والقيام بالخطوات الإيجابية والبناءة من أجل بناء مستقبل بلدهم وازدهار مملكة البحرين الحبيبة. كما أنصح الشباب البحريني بعدم الإنجراف وراء الحركات الدينية المتطرفة السنية أو الشيعية التي تحصل على الدعم والمساعدات المالية من الدول الأجنبية لتنفيذ أجندتها.

هنا أود أن أتطرق إلى الأوضاع في ايران والظروف المأساوية الذي يعيشها الشعب الإيراني في الوقت الراهن مقارنة مع الظروف السياسية والمعيشية في مملكة البحرين. حسب إحصائيات وتقارير مصادر الحكومية والمعارضة الإيرانية تقريباً نصف الشعب الإيراني يعيش تحت خط الفقر مع عائدات بيع النفط التي إرتفعت في السنة الماضية فقط إلى نحو مائة مليار دولار، في حين انتشار البطالة وعدم استلام العمال والموظفين رواتبهم لعشرات الأشهر وقمع العمال عند الإضراب والمطالبة بأجورهم مع زج رؤساء النقابات في السجون.

علماً بأن التضخم المالي وصل إلى نحو 30 % هذا العام، إضافة إلى الغلاء الفاحش وارتفاع أسعار المواد الغذائية والإستهلاكية إلى عشرات الأضعاف، هذه الأرقام غير رسمية وتأيدها المعارضة الإيرانية، لكن نظام ولاية الفقيه الذي تحكمها عصابة من اللصوص وقطاع طرق تحاول تضليل الناس وتقدم لهم أرقاماً أقل من المعدّل الحقيقي. على سبيل المثال سعر الرغيف الواحد في العام الماضي كان 70 تومان وفي هذا العام إرتفع إلى 170 تومان وسعر خبز “سنكك” 500 تومان (الدولار الأميركي = 1800 تومان, في حين قبل الثورة الدولار كان يساوى نحو ثمان تومان). كما تم إلغاء الدعم المالي لبعض المواد الإستهلاكية في حين أن مساعدة الحكومات الشمولية والمستبدة والمنظمات الإرهابية والمتطرفة في المنطقة بالمال والسلاح مستمرة، كما أن هناك أزمة وتلوّث مياه الشرب في بعض المدن ومعظم القرى والأرياف الإيرانية.

سنوياً أكثر من 300 ألف طالب جامعي متخرّج يهاجرون إلى أوروبا وأميركا واستراليا من أجل إكمال دراساتهم الأكاديمية والحصول على وظائف مرموقة في هذه الدول. على سبيل المثال نحو 40 % من موظفي وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) من الإيرانيين، و”الدكتور فيروز نادري” الإيراني الأصل، نجح في إنزال المسبار على سطح المريخ بعد تعيينه في منصب مدير برامج إكتشاف كوكب المريخ في عام 2000 (موقع غوغل + موسوعة ويكيبيديا الحرة).

في حين المواطن الإيراني يضطر إلى بيع كليته من شدّة الفقر والأطفال يعملون ويعرضون البضائع الرخيصة للبيع في الشوارع والفتيات يبيعون أجسادهن من أجل مساعدة عائلاتهن بالإضافة إلى شبكات الدعارة التي تستغل هذه الفتيات للمتاجرة بهن في الخارج، كما تزايد معدّل الطلاق، ومدينة قم المقدسة تقع في المرتبة الثانية من حيث عدد المطلقات، وجرائم القتل والاغتصاب الجماعي في تزايد مستمر وبشكل خطير ومقلق، وبالإضافة إلى إغتيال أساتذة الجامعات وعلماء الذرة، وهناك جرائم قتل بحق الفتيات والرياضيين، في حين المسؤولين الأمنيين الإيرانيين بكل وقاحة يدّعون بأن الغرب وراء انتشار هذه الجرائم؟!.

وعصابات المافيا ذات صلة بالحرس الثوري يقومون بتهريب المخدرات من أفغانستان إلى إيران والدول المجاورة لإيران (لقد تم سجن فتاة إيرانية لمدة عشرون سنة في افغانستان بتهمة تهريب المخدرات، وفي ماليزيا عشرات الإيرانيين يقبعون في السجون بتهمة الإتجار بالمخدرات) (حسب الإحصائيات الصادرة من الأمم المتحدة، ايران تقع في المرتبة الثانية في إستهلاك المخدرات وأفغانستان في المرتبة الأولى وباكستان في المرتبة الثالثة).

قوات الأمن الإيرانية تمارس أبشع أساليب البطش والقمع ضد المواطنين الذين يناضلون من أجل الحرية وحقوقهم المدنية والسياسية، وفي السجون يواجهون الإهانات والتعذيب النفسي والجسدي وحتى الإعتداء الجنسي. في ايران يوجد بين السجناء الكاتب والشاعر والمدوّن والصحفي والأستاذ والطالب الجامعي، والطبيب والفنان والمخرج السينمائي والناشط المدني والسياسي والعامل والنقابي والمحامي، و الصوفي والدرويش وحتى رجل دين (آية الله سيد حسين بروجردي نموذجاً)، مع إرتفاع عدد الإعدامات بحيث أن ايران تقع في المرتبة الثانية في العالم من حيث الإعدامات. (الصين في المرتبة الأولى).

في العقد الأول من الثورة عندما قال آية الله منتظري للخميني بأن سافاككم بيّض وجه سافاك الشاه، وطلب من الخميني وقف إعدام السجناء والمعارضين، أصدر الخميني أوامره بإعتقال آية الله منتظري الذي كان خليفته وسجنه في منزله تحت الإقامة الجبرية، وحتى في آخر سنين عمره لم يخشى آية الله منتظري من القوة البوليسية الشرسة لنظام ولاية الفقيه، وفي مقابلة صحفية قال: “أن الخميني خدع الإيرانيين بوعود لم تتحقق”.
هذه هي الجنة الذي وعد بها الدجّال خميني الشعب الإيراني!!.

دور ومساهمة العجم في بناء وتطور البحرين:-
يقال والعهدة على الراوي، بأن في عهد وزير التنمية الفقيد الراحل يوسف الشيراوى طالب بعض أصحاب النفوذ بإقصاء مدراء العجم من مناصبهم في بابكو، لكن يوسف الشيراوي تدخل في الموضوع بسرعة وخاطب المسؤولين في الحكومة قائلاً بأن إذا قاموا بعزل المسؤولين ومدراء العجم من مناصبهم سوف تنهار الشركة. علماً بأن العجم كانت لهم أدوار ومساهمات فعالة في بناء وتطور البحرين لعقود طويلة في مجال التجارة والصناعة والتعليم، ونتيجة لهذه المساهمات والممارسات استطاع العجم كسب ثقة ومودة الشعب البحريني والاندماج في النسيج الاجتماعي وإقامة علاقات عائلية معه. لذا نستطيع ملاحظة تأثير العادات والتقاليد واللهجات وحتى الكلمات الفارسية على العائلات العربية، شيعة وسنة.

خلال تجاربي في الحياة السياسية في بداية الستينيات من القرن الماضي، حينما كانت لي مشاركات في الإضرابات العمالية في شهر مارس 1965 وثم متابعتي للأحداث السياسية في الثمانينيات والتسعينيات، كانت الأحداث الأخيرة التي بدأت في 14 فبراير 2011، والتي تحوّلت فيما بعد إلى فوضى سياسية وكادت أن تجر البحرين إلى دوامة الفتنة الطائفية والمذهبية وتدخلنا في نفق مظلم ومستقبل مجهول.

هنا يجب تذكير الشعب البحريني الطيب والأصيل بأن قبل نحو ثلاثين سنة لم تكن هناك تفرقة طائفية أو مذهبية بيننا والخلافات التي تظهر على السطح كانت قليلة جداّ، لكن بعد ظهور ما يسمى الجمهورية الإسلامية زادت التفرقة العنصرية والمذهبية بين الناس بسبب نشر العملاء وتدخل نظام ولاية الفقيه في شئون العراق ودول منطقة الخليج، ومن ثم ردّة فعل الجماعات السنية المتطرفة من هذه التدخلات وظهور تنظيم القاعدة والحركات السنية السلفية والتكفيرية لمحاربة الحركات الشيعية المتشددة التابعة لحكام نظام ولاية الفقيه في ايران.

من أقوال جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة: “البحرين ملتقى الأديان ومركزاً للتواصل ونموذجاً للتعايش بين المذاهب”
لقد عشنا أياماً كنا لا نفرق فيها بين العربي والعجمي والشيعي والسني وكان يعيش بيننا المسيحي واليهودي وحتى الهندوسي. يجب أن نتجنب المشاكل الحادة والتفرقة العنصرية والمذهبية ولا نعرض أبناء الأقليات الدينية للتمييز والتهجير أو القتل. لذا أنصح الجميع بعدم الإندفاع والتسرّع في تحليل الأمور وإتخاذ قرارات خاطئة في حق الآخرين وإتهامهم بالخيانة.

يقول أحد البحرينيين العجم بأن هناك علاقة نموذجية وحميمة بين عائلته وعائلة سنية معروفة من منطقة الحالة لأكثر من 35 سنة وذلك عندما كانوا جيران في شقق الإسكان في المحرق، وللآن هذه العلاقة بين العائلتين مستمرة بحيث عندما يرون البعض بعد مدة طويلة يحضنون بعضهم، وكأنهم من الأهل والأقرباء، ويضيف في حين جار آخر ذو نزعة عنصرية يعلّم أحفاده بأن يذكروني بالعجمي.

من أجل المساهمة في تخفيف حدّة التوتر والإحتقان الطائفي ونبذ التفرقة المذهبية، وصيت زوجتي وأولادي بأن عند وفاتي يقومون بدفني في مقبرة المحرق التي كانت في الماضي إحدى ساحات دفن أهالي الشيعة والسنة وسوف تبقى نموذجاً للتلاحم والوحدة الوطنية بين الشعب البحريني.

مرحلة التقاعد ومشاعر تأرجحت بين الحزن والفرح :-
بعد نحو 45 سنة من العمل في الشركات والمؤسسات المختلفة، أحلت على التقاعد في 2 سبتمبر 2002. في البداية كنت أشعر بالحزن لإبتعادي عن أصحابي وزملائي في العمل، لكن تدريجياً تحول شعوري إلى الفرح بعد دخولي إلى عالم جديد وتحرري من المسؤوليات الوظيفية وإنتقالي إلى عالم آخر حيث التفرغ إلى نمط جديد من الحياة المريحة والبسيطة والجلسات الجميلة مع الأهل والعائلة واللعب والمرح مع الأحفاد، ومقابلة الجيران والتحدث إليهم وممارسة رياضة المشي ومشاهدة مباريات كرة القدم عبر القنوات الرياضية وقراءة الصحف من المواقع الإلكترونية وتبادل الرسائل الإلكترونية مع الأهل والأصدقاء، وحينما أتعب من التفحص في الحاسوب انتقل إلى مشاهدة التلفاز، وفي أوقات الفراغ أفتح رباعيات الحكيم والشاعر الفارسي الكبير عمر الخيّام وأستمتع بقراءة هذه الرباعيات الفلسفية الجميلة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.