موت الأديب الإيراني صمد بهرنگي بين روايتين: الاغتيال أم الغرق / عادل محمد

صمد بهرنگی
صمد بهرنگی

في مطلع الستينيات من القرن الماضي قرأت بعض المقالات عن سيرة الكاتب الإيراني الشاب صمد بهرنگي في إحدى الصحف الإيرانية في البحرين، ولكن عندما سافرت إلى إيران في أغسطس 1964 وخلال زيارتي للمكتبات في العاصمة طهران حصلت على روايات بعض الكتاب الإيرانيين أمثال الأديب الإيراني الكبير “صادق هدايت”، بزرگ علوي، صادق چوبک، ومحمد عاصمي، لكنني لم أجد على أي كتاب من تأليف الكاتب صمد بهرنگى.
ضمن التحريات والبحث في المكتبات تعرفت على شاب إيراني كان يسمى “مسلم” الذي وعدني بالحصول على إحدى كتب صمد بهرنگى. ومن حسن حظي بعد أيام أتى مسلم وفي يده كتاب “اولدوز وكلاغها” (أولدوز والغربان).
ولد بهرنگي (24 يونيو 1939 – 31 أغسطس 1967) في مدينة تبريز الإيرانية. بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية التحق بمعهد المعلمين ثم بدأ العمل في سلك التدريس حتى نهاية عمره القصير وبقي يعلّم الأطفال ويرشدهم ويكتب لهم حكايات جميلة، وأول قصة كتبها كانت بعنوان “العادة” سنة 1959 وآخر قصة كانت بعنوان “قشرة البرتقال” نشرها في سنة 1967 وهي السنة نفسها التي توفي فيها غرقا في ظروف غامضة في البحر الأسود وتشير أصابع الاتهام إلى أن مقتله كان بسبب مواقفه وأرائه. وهناك وجهة نظر أخرى حول وفاته ويذكر حمزة فراهتي صديق صمد بهرنگي بأنه مات غرقا في نهر أرس- شمال إيران- لأنه كان لا يجيد السباحة ولم يتم اغتياله من قبل الأجهزة الأمنية في عهد الشاه.


صمد بهرنگي لم يغتال غرقاً في البحر الأسود، بل مات غرقاً في نهر أرس (ARAS) في أقصى شمال إيران، لأنه كان لا يجيد السباحة. لكن “حزب توده” والقوى الوطنية آنذاك استغلوا هذه الحادثة واتهموا الجهاز الأمني (السافاك) في النظام السابق باغتياله لتحريض الناس ضد النظام. وعندما عثروا على بطل المصارعة الإيراني الدولي “غلام رضا تختي” ميتاً في غرفة أحد الفنادق في طهران قاموا بنشر الإشاعة بأن السافاك اغتالته. في حين صرحت زوجة تختي وأحد أفراد عائلته بأنه انتحر بسبب المشاكل الشخصية ولم تغتاله السافاك. وعند حرق سينما “ركس” في مدينة آبادان، الذي قتل فيها نحو 500 شخص عشية الثورة، كذلك اتهموا السافاك لتحريك الجماهير ضد الشاه. ولكن بعد عقدين من سيطرة عصابات الملالي على إيران، وهدوء العاصفة انكشفت الحقائق واتضح فيما بعد بأن عناصر تابعة للحركة الإسلامية دبرت عملية حرق سينما ركس.

asdsamad

أما الكاتب الإيراني “حمزه فراهتي” أحد رفاق بهرنگي يشرح في كتابه “از آن سالها.. وسالهاى ديگر” (من تلك السنين.. والسنين الأخرى) حقيقة غرق الكاتب صمد بهرنگي ويقول عندما كنا معاً عند ضفة نهر “أرس” رأيته واقفاً في النهر ومستوى الماء كان قريب من سُرّه والنهر كان هادئاً عند الجانب الإيراني، ولكن كان متلاطماً في الجانب الآخر. بدأ كالطفل يحرك يديه وجسمه فرحاً ثم تحرك إلى الأمام نحو خمسين متراً. فجأة رأيته يصرخ ويستغيث والماء قد غطى كتفيه وسرعان ما جرفه تيار الماء إلى وسط النهر. هرعت لإنقاذه ولكن دون جدوى، فصرخت طالباً المساعدة عندما كنت على وشك الغرق، فقام بعض الجنود الموجودين بسحبي من الماء. وأما “صمد” فقد اختفى في الماء وغطى الفضاء جو من السكوت القاتل!؟.
موت صمد بهرنگي المفاجئ كان صدمة كبيرة للأدباء والمثقفين. خلال العشرة الأعوام الأخيرة من عمره القصير أضاف صمد بهرنگي عشرات الكتب والمقالات والترجمات إلى كنوز التراث والأدب الفارسي. كان صمد بهرنگي شخصيتان في جسد واحد. بالإضافة إلى الشاعر والمترجم، كان الكاتب الفذ والمعلم الحنون ذو الخيال والأفق الواسع. كان يعلم أن الأطفال والتلاميذ هم أساس ولبنة المجتمع، لذا كان يعطي اهتماماً كبيراً في تدريسهم وتربيتهم، ومن جانب آخر ينشر القصص والروايات الجميلة والهادفة من أجل تربية الأطفال والشباب للأجيال القادمة.
لقد تُرجم بعض من آثار صمد بهرنگي إلى العربية. في حين الروائي والصحفي والسياسي البحريني ابراهيم بشمي ترجم كتاب: “حكايات صمد بهرنجي”، وقام بترجمة كتابه “أولدوز والغربان” الكاتب البحريني عبدالقادر عقيل. كما قامت الناشطة الفلسطينية الراحلة “نبيلة سلباق بربر” بترجمة كتاب “السمكة الصغيرة السوداء”.
من أقوال صمد بهرنگي المأثورة: ” نريد أدباً يقول للطفل أن يكره كل ما يقف أمام تطور الحياة والبشرية”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.