البيت الخليجي ما بعد أزمة قطر/محمد قواص

منطقة الخليج دخلت في أزمة تتجاوز مسألة الاختلاف والتميز والتفرد وخصوصية الدول الأعضاء في مجلس التعاون. هي أزمة وجود وبقاء للمنظومة الخليجية، ولا يمكن إدراك المعضلة إلا وفق كونها صراع إرادات يروم إنهاء ‘الاستثناء القطري’.


لا يغيب عن بال الخليجيين أنهم يعيشون مفترقا مفصليا في تاريخ البيت الخليجي، وربما لا سابق له منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي. ولا يغيب عن بال العواصم الخليجية، لا سيما تلك المنخرطة بقوة وهمّة داخل الأزمة الحالية مع قطر، أن إدارة الأزمة القطرية تستدعي كفاءة ومواهب، إضافة إلى وعي بكافة تعقيدات عالم هذا اليوم. يكتشف الخليجيون أن حدّة النزاع الحالي لا تنفع معه توليفات علاجية بيتية تنتهي بتطييب الخواطر، وأن مخارج الأزمة يصعب استشرافها كلما امتد زمنها، لا سيما أن العالم بات دون شك متموضعا مع مأزق طويل الأمد.

اعتاد أهل الخليج في السجالات السابقة التي شهدها البيت الخليجي على إدارة للأزمات وفق مواقف متبادلة تقتصر على أصحاب المواقع الرسمية ومنابر الدول الإعلامية، غير أن ما يجري هذه الأيام، ومنذ قرار المقاطعة في 5 يونيو الماضي، تمدد باتجاه النسيج الاجتماعي لكافة الدول الخليجية، لا سيما تلك المعنية مباشرة بالصراع، ليس تعصبا بالمعنى البدائي، بل لأن مآلات هذا الصراع ستتداعى مباشرة على مصائر العامة كما على مصير المنظومة السياسية الخليجية.

قد تكون أزمة هذه الأيام امتدادا للأزمة الخليجية “البيتية” في عامي 2013- 2014، لكن مواطن المقارنة ضيقة إذا ما قورنت بالأسقـف العاليـة للـأزمة الـراهنة وبالانخراط الواسع لكافة عـواصم القـرار الكبرى، لا سيما لجهة الكشف، من جديد، عن أهمية منطقة مجلس التعاون بالنسبة للعالم أجمع.

أماطت الأزمة اللثام عما كان معروفا، لكنه بات واضحا، من تشعب العلاقات الخليجية مع دول العالم. هي علاقات مع إحدى أهم المناطق الإستراتيجية للطاقة في العالم، وهي علاقات مالية واقتصادية واستثمارية متبادلة مع كافة دول الخليج، وبالتالي للعالم مصلحة مباشرة في بقاء وضمان وحدة واستقرار المجلس، ذلك أنه بنى وفق “حتميتهما” واستشرف خططه الاقتصادية على أساس كونهما ثابتين نهائيين داخل فضاء الدول الست.

على أن الأزمة التي داهمت الخليج أظهرت للعيان نظاما دوليا مربكا ركيكا يمارس كالجميع دور المتفاجئ. كشفت الأزمة ظاهرة لافتة تكمن في عجز العواصم الكبرى عن فرض رؤيتها وأجندتها على بلدان المنطقة. كانت أعراض هذا العجز قد ظهرت مع اندلاع “ربيع” العرب، حين قاومت المنطقة بأدواتها الرسمية والشعبية انتشار الإسلام السياسي رغم تواطؤ أو رضا ظهر في مقاربات مرتجلة لهذه العاصمة الكبرى أو تلك.

بدا أن المنطقة، أنظمة وشعوبا، تقاوم الإرهاب فيما بان أن المقاربة الدولية بطيئة انتقائية تخضع لوجهات نظر. كان جليا أن العالم لم يستطع، وهو يسعى بصعوبة، فرض أجندته في ليبيا وسوريا واليمن، فيما يتولى لاعبو المنطقة بأنفسهم ترتيب الملفات وفق مواقيت محلية لا تلتقي بالضرورة مع مواقيت الخارج. وفي ظل هذا المشهد أبرزت أزمة قطر عجز كافة العواصم عن فرض حل كنا نتصور أنه كان من اليسر فرضه قبل عقود.

في امتداد المقاطعة لتشمل دولة من خارج المجلس، هي مصر، ما يؤشّر على أن هذا الأمن الخليجي المهدد بات يحتاج إلى امتدادات إقليمية تتجاوز دول المجلس الست
تكشف الأزمة أيضا زيف ولبس الموقف الدولي من مسألة العلاقة مع الإسلام السياسي. استخدم الغرب جماعات الإسلام السياسي تاريخيا في مقارعته للاتحاد السوفياتي وأنظمة العالم الثالث اليسارية الثورية. رعت العواصم نمو الجماعات لتحصين الشرق، لا سيما العربي-الإسلامي، من أي اختراق ترتكبه “إمبراطورية الشر” بزعامة موسكو.

توافد برلمانيو أوروبا كما شيوخ الكونغرس الأميركي لالتقاط الصور مع “المجاهدين” (وفق التسمية الغربية آنذاك) في أفغانستان. وعلى الرغم من تحوّل الجهاديين إلى إرهابيين (وفق التسمية الغربية أيضا)، وعلى الرغم من إسقاط المنطقـة لتوسّع وهيمنة الإسـلاميين في موسم “الربيع العربي”، إلا أن هذه العواصم ما زالت مترددة خجولة في القطع مع سلوكيات سابقة احتضنت الإسلاميين بصفتهم خيارا من خيارات هذه العواصم في العالم.

لم يكن الدور القطري لينجح لو لم تكن البيئتان الدولية والإقليمية تسمح وربما تحتاج إليه وترعاه. كان “الاستثناء القطري” يقوم على أساس استعداد الدوحة لأداء وظائف مطلوبة من هذه العاصمة أو تلك، أو جهوزيتها لاقتراح دور لا يرى العالم مانعا من التعامل معـه.

لكن أهميـة الوظيفة القطرية تكمن في أنها صـادرة عن دولة خليجية عضو كامل في مجلس التعاون الخليجي. وبالتالي فإن الأزمة الحالية التي شلّت حاليا هذه العضوية وقد تصل إلى حدود إنهائها من المنظومة الخليجية، تفقد قطر أهم مزاياها وبالتالي قد تقوّض كافة وظائفها.

لكن مهما كان الموقف الدولي، فإن منطقة الخليج دخلت في أزمة تتجاوز مسألة الاختلاف والتميّز والتفرد وخصوصية الدول الأعضاء في مجلس التعاون. هي أزمة وجود وبقاء للمنظومة الخليجية، ولا يمكن إدراك المعضلة إلا وفق كونها صراع إرادات يروم إنهاء “الاستثناء القطري”، سواء بأعلى السقوف التي تتمناها دول المقاطعة أو بسقوف تسووية محتملة تؤمّن اتساق قطر مع المزاج الخليجي العام.

تتأسس مسارات الأزمة على قاعدة التعايش مع حالة قطيعة طويلة الأمد تتأكد يوما بعد يوم ويتأكد العالم من حقيقتها. أوقفت العواصم الكبرى التبرع بآرائها في أمر النزاع الحالي باتجاه تعايش مع الأمر الواقع الجديد متذرعة بالتحصّن وراء الوساطة الكويتية.

ووفق هذه الحقيقة بات كل ما تم ارتجاله دبلوماسيا وإعلاميا، محليا ودوليا، يتجه للتمأسس ليصبح من أبجديات العلاقة الجديدة مع قطر. وفي الكلام الذي صدر عن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير من أن المقاطعة قد تستمر لسنوات ما ينم عن تموضع حقيقي بات معتمدا.

لن ينجو مجلس التعاون الخليجي بنسخته المعروفة من تداعيات الأزمة مع قطر. ربما يجب التذكير بأن حوافز إنشاء المجلس تاريخيا كانت لأسباب أمنية، وبالتالي لم يكن المجلس في كينونته الأصلية إلا منظومة أمن استراتيجي، فيما أن الأزمة الحالية هي أزمة أمن استراتيجي.

فدول المقاطعة، ومن خلال اعتبارها أن قطر تشكل خطرا استراتيجيا على أمن واستقرار دول الخليج، تعتبر أن ما كان خطرا خارجيا برر إنشاء المجلس، بات خطرا داخليا يضع علامات استفهام على نجاعة المجلس في شكله ومنظومته الحالية.

وفي امتداد المقاطعة لتشمل دولة من خارج المجلس، هي مصر، ما يؤشّر على أن هذا الأمن الخليجي المهدد بات يحتاج إلى امتدادات إقليمية تتجاوز دول المجلس الست، وهو أمر سيبدل من قواعد العمل الحالي باتجاه احتمالات أخرى يرفدها جدل سابق أثير قبل سنوات حول نجاعة ضم الأردن والمغرب إلى المجلس لتحصين مناعته ودفاعاته.

ومع ذلك فإنه حريّ، حتى لو بات احتمال التمدد واردا، صيانة وترميم الوحدة بين الدول الخمس الأخرى (أي بغض النظر عن الخلاف مع قطر)، لإرساء واقعية جديدة تأخذ بالاعتبار عدم نضج المجلس لخوض غمار مغامرات من نوع “الاتحاد” و“الوحدة النقدية” و“الجيش الخليجي”، والتي لطالما ولّدت تحفظات ورفضا يظهر أن السرعات الوحدوية لا ولن تتناسب مع خصوصيات وحساسيات الدول الأعضاء.

نقلاعن العرب