الأزمات المالية وصندوق النقد الدولي!/فهد المضحكي

في فترة ازمات الاقتصاد الرأسمالي.. ركزت الدراسات السياسية والاقتصادية على مشاكل العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية، وعلى تحليل علل الرأسمالية المالية والنقدية التي تلازمها النزاعات، وبخاصة على الاثار الاقتصادية والسياسية الخطيرة التي تجلبها تلك الازمات على الدول الفتية والعالم الثالث عامة في دراسة اعدها «لودفيبج موللر ودفريز ريش» الالمانيان عام 1984 تقول: ان الازمات وزيادة التسلح لها اثر سلبي للغاية على البلدان النامية.


في حينها قال فيدل كاسترو في خطابه الى القمة السابعة لبلدان عدم الانحياز في دلهي: «ان الأزمات قد اضرت بالبلدان المتخلفة اكثر من غيرها، ففي ظروف الكساد قلصت البلدان الرأسمالية المصنعة بدرجة حادة من وارداتها من المواد الخام والنفط والمنتجات الزراعية، وادى ذلك الى انخفاض في اسعار المواد الخام كذلك الى خسائر ملحوظة في دخول صادرات البلدان النامية» وعلى هذا الاساس تضاعفت الديون الكبيرة للبدان النامية. وبسبب معدلات الفائدة المرتفعة التي فرضها النظام المالي الامبريالي، اصبحت هذه المدنيونية شرَكاً كبيراً لهذه البلدان!!

ومن الامثلة على ذلك في سبعينيات القرن الماضي، كانت هناك زيادة في نصيب الديون المتاحة لبلدان امريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا التي تواجه صعوبات مالية ولكن لديها موارد ضخمة للمواد الخام. وتذكر الدراسة لقد اتيحت لها القروض ورأس المال المنتج بمعدلات فائدة عالية، حتى ان دينها استمر في النمو في نفس الوقت على اساسين. كانت القروض تأتي في الاساس من بعض الاتحادات المصرفية ومؤسسات الاقراض التي تضم عدة بنوك صغيرة ومتوسطة، التي اشركتها البنوك الاحتكارية الكبرى في الولايات المتحدة، وصندوق النقد الدولي، وحكومات الدول الامبريالية كذلك في عمليات تأجيل الديون، شريطة ان تقوم البلدان النامية باجراءات مثل خفض اجور الجماهير العاملة، وتقليل الوظائف، وتقليص البرامج الاجتماعية وتلبية بعض المطالب السياسية كذلك!

ويمكن القول ان الازمة المالية التي شهدتها اليونان مؤخراً ابرز الامثلة على ذلك!

صحيح ان هذه الازمة قد تعود الى سوء الادارة المالية والاقتصادية، ولكن من الخطأ الاعتقاد ان هذا السبب هو الوحيد والكلي الذي جعل اليونان تئن تحت وطأة ازمة الديون.

معنى هذا، ان الازمة لا تنفصل عن محيطها الخارجي، ولا عن السياسات الاقتصادية التي تتطلع الى الربحية على حساب مصالح الشعوب، ولا عن لعبة الرأسمالية المتوحشة التي تدار من قبل عصابات المال ومافيا المصارف العالمية!

يرى كانثان في مقال لمؤسسة «نايشن اوف تشاينج» (Nation of Change) ان اليونان «لم تسقط من تلقاء نفسها، بل تم اسقاطها» مشيراً الى ان المصارف والشركات «دمرت» الحكومة اليونانية و«دفعتها عمداً» الى الاستدانة والحصول على قروض غير مستدامة ما يساعد الشركات الدولية على التربح من استمرار الفوضى والبؤس. (نقلاً عن جريدة السفير).

من دون شك أن الازمة اليونانية لم تأتِ من فراغ فهى نتاج ظروف داخليه وخارجية، واذا اردنا ان نتوسع في ذلك فإننا لا نضيف رؤية سياسية هامة اكثر من رؤى الذين حللوا الازمة بواقعية وموضوعية من بينهم المحلل السياسي وائل عبدالفتاح الذي يرى ان المتوحشين اوصلوا اليونان الى الحافة – وغيرها من الدول الاوروبية مثل اسبانيا والبرتغال وايطاليا وايرلندا ودول اخرى في امريكا اللاتينية وافريقيا – لتكن «منتجعهم» الخلفي يشترونها بدلاً من دفعها الى المساهمة في دوران «المكينة الكبيرة» للرأسمالية.. وليست القضية في الديون وانما في «اثر» هذه الديون على كسر الارادة وتغيير السياسات وتطبيق قانون «البقاء للاكثر قدرة على الابتلاع» وهو قانون يفرض نوعاً من «ديمقراطية» مهمتها تكريس «حكم الاقدار المالية» اليونان عندما رفضت الاستسلام لمنطق القوة وشروط لعبة التحالفات المالية الاوروبية المجحفة، وفي خضم نضالها ضد سلطة الرأسمال المطلقة واجهت من اجل مصالحها الوطنية محور تلك التحالفات التي وبعد الازمة المالية في امريكا واوروبا راحت تفرض سياسات مالية تتسم بالتوحش في ظل عولمة رأس المال المالي!

من الطبيعي اذن ان مثل هذه الازمة المالية المتفاقمة تقود الى عجز الموازنة العامة للدولة و«التقشف» والفقر والبطالة، فسياسة «التقشف» التي فرضت على اليونان من قبل الدائنين ليست الا واحدة من اشكال التوظيف – هكذا يراها مصطفى كيله – حققت ارباحاً هائلة، واوقعت الكثير من دول العالم في مأزق جعلها تقبل بكل الشروط التي يطرحها عادة صندوق النقد الدولي الممثل للطغم المالية، حيث لا تعود الدولة قادرة على سداد فوائد الديون وليس فقط الديون ذاتها التي تتراكم بشكل متسارع!